قراءة في مجموعة «بعيداً خلف الأستار» للقاص علي إدريس:لجأ القاص علي إدريس في غير مرة في أقاصيصه القصيرة جداً لبناء الحبكة مستثمراً صيغاً لغوية مختلفة

 محمد اسماعيل

محمد اسماعيل

أهداني الكاتب علي إدريس مجموعته القصصية الموسومة بـ «بعيدا خلف الاستار» ..وضمت المجموعة عددا من القصص القصيرة جدا ، قدم لها الناقد عزالدين ميرغني واشار الى«ان نصوصه ذات لغة مقتصدة ومكثفة ، وايضا وجود عنصر الدهشة دون ان يقع في فخ التقريرية الفجة ».
وظهرت بدايات القصة القصيرة جدا مع فاطمة السنوسي وتعتبر رائدة في هذا المجال وكانت لها نصوص نشرتها بانتظام في بداية الثمانينات في جريدة السياسة وجذبت الكثيرين الى عالم القصة القصيرة جدا .واشير هنا الى ضرورة الانتباه فظهرت اصوات جديدة رفدت هذا الجنس الادبي بكثير من التجارب.
والقصة القصيرة جدا مازالت تثير الكثير من الإشكالات حول مفهوم المصطلح والتجنيس اقصد بالتجنيس « التجنيس الأدبي » وهو نوع سردي مثله ومثل الرواية والقصة القصيرة . وكل هذه الاجناس تندرج تحت بنية اكبر هي الخيال او التخييل السردي . وفي تعريفنا للقصة القصيرة جدا يمكن أن نطلق عليها سمة جوهرية منفحة على الخيال السردي .فالخيال هنا يتغذي على الفعل الكلامي او اللعب المراوغ . وهي تتجاوز القصدية والاخبارية .وتقوم علي البعد الفني والجمالي . لكي نكون اكثر وضوحا . ان الدال والمدلول في الخبر الصحفي وبالنظر الى طبيعة جوهره لايقوم على فعل تخييلي في كليته وهو مجرد نص اخباري وفعل كلامي « مثال على ذلك اخبار الصحف » في مقابل هذه الاخبار لاتخفى او تنفى تقوم على المباشرة والحرفي والوقائعي باعتبارها مكونات اخبارية تطالعنا بها الصحف كل صباح.
ونقول ان القصة القصيرة جدا او مايطلق عليها اصطلاحا« ق ق ج»هي كتابة مفتوحة من خلال قصر الاقصوصة والتي يجب ان تراعى القصر الابداعي الذي يجب ان تخزله الحكائية في اسطر معدودة .بعد هذه المقدمة .فالقصة القصيرة جدا جاءت للسهولة والمرونة والحرية واختزال الجمل او الكلمات .وتنتمي للقص والحدث والحكاية والتشويق ونمو روح الشخصيات واقتصادا ولغة واهم خصائصها التقنية ثم الكثافة والجرأة في وضوح جنس الفكرة .وعلى القارئ عليه كيفية الاعتماد على افق ذائقته التخييلية .
27-08-2016-07-6وفي مجموعة الكاتب علي إدريس « بعيدا خلف الأستار » الصادرة عن دار مدارات للنشر ، استطاع التنبه الى أهمية الحكبة اذ تنبه ارسطو الى اهميتها منذ عهد بعيد اكد ارسطو « ان اكثر تلك العناصر اهمية هو بناء الاحداث» وقد لجأ القاص علي إدريس في غير مرة في اقاصيصه القصيرة جدا لبناء الحبكة مستثمرا صيغا لغوية مختلفة مثال ذلك في قصته « المصير »
حدق في الطفلة
التي تقود
الرجل المسن
شعر بنعومة كفها على يده ..
فهذه الاقصوصة تستعين بمايسمى بالحوار البصري بمعنى ان العين هي التي ترى الاشياء وتحفر داخل الشبكية بكثير من الوجدان في شبكية القارئ ،والمفارقة المدهشة تبني على « شعر بنعومة كفها على يده » وهذا نطلق عليه داخل بنية السرد السببية التي تنظم حبكة الحدث ، وايضا ثمة قصص تحيل حبكتها على سببية ضمنية يدعمها السياق اللغوي ويقدمها السرد في حبكة بسيطة ولكنها معقدة وتعرف كيف تخدم الحدث من موقعها الحدثي .
مثال :
اقسم بان يسكن
منزلا تشرئب له اعناق الزائرين
زاروه ..
وابصارهم نحو اقدامهم ..
مانلاحظه هنا ان الكاتب علي إدريس في مجموعته «بعيدا خلف الأستار» استطاع بلغة تنبع من خصوصية الحكي انطلاقا من العلاقة التي تربط الاحداث ، او الحدث بالنهاية هنا تنبع خصوصية القصة عنده، وذلك يعني انه قاص قادر على انعكاس وتكثيف الحدث الذي يشترطه حجم النص ، واظنه قد نجح في ذلك .وعلى ذلك ان نصوصه قائمة على العلاقة التي تنظم الاحداث المختلفة ويمكن ان نلاحظ ذلك
صاح رجل بالجموع
التي تمشي
انظروا ..انظروا
ثمة شخص يلقي
النظرة الاخيرة على الطريق ..
في هذه القصة وظف لنا الحدود بين عالم الواقع والخيال بين الأنا والآخر وصنع عقدة للقصة الحقها بنهاية حاسمة نحو الحلمي والتخييلي .
ما اريد ان اشير اليه هو ضرورة حبك ما يسمى بالخواتيم في البناء القصصي في قصصه التي ضمتها المجموعة ، اولا لايشعر القارئ بالملل بل يخطف بصر القارئ وهذه هي صنعوية كتابة القصة القصيرة جدا اذ عليه بجملة واحدة ان يأخذ بيد القارئ دون الشعور بالحيرة والارتباك .نلاحظ ايضا في قصصه مكونات سردية ، فنذكر منها البدايات التأملية . وشاعرية الحدث ، والوصفية ، والشخوص وحوارية الحكاية ،وهذه الاشكال تدور بشكل اساسي حول تطويع منطق الضرورة لا منطق الاستطراق .واظن ان الكاتب علي إدريس في قصصه كان شديد التكثيف بالسرد وذكيا في توظيف تطوير السرد .
وعلى كل حال المجموعة تمثل بانوراما وصفية استطاع المؤلف ان يقودها عبر شخصيات مختلفة راصدا حالاتها في تنوعها عبر صيغ سردية وقدمت نهايات مفتوحة ومقترحة على اكثر من احتمال ..
« عاد منتصرا
سأل أمه
لماذا لم تخبريني أن
سيفي من خشب »
النهاية هنا حاسمة وسريعة من خلال عبارة حققت الكثير من الخيبة دون اختصار مخل ودون تطويل ملل واظنها قصة ذات نهاية مغلقة تحيل القارئ الى رموز ذات دلالات مفتوحة على التأويل .
ونشير الى ان « بعيداً خلف الأستار » مجموعة قصصية تمتلك ناصية الحكاية ، لقد اجمع منظرو القصة القصيرة جدا ،واتفقوا على ضرورة وجود حكاية في هذا الفن ، وايضا قد اتفقوا على ان شكل الحكاية هو خيار فني للمبدع ..ففي قصص علي إدريس لقد توفر هذا الخيارالاخير ..عمل على اضاءة تفاصيل من الحياة بكل تناقضاتها وفي صور سردية هادئة في مشهجيتها وكل حكاية قصيرة تروى في صور معبرة تلامس حساسية القارئ ..وقد استثمرت الاحلام والكوابيس وغير ذلك .فالقاص يحتفي في قصصه بالحالة الوجدانية للحكي في تجلي مبهر يسرد حكاياته بلغة إنسانية وإنسيابة ذات حضور آسر وتشكل جزءا حميما من شغف الشخوص بمطامعها العفوية ، ثم تعمل المجموعة على مكاشفة الذات باسلوب المصور القادر على التقاط الحدث .
« اعياها انشغاله بنزواته
واهماله للذاتها
انفصلت عنه
حلقت عاليا
وتركته يتمرغ
في ترابه ..»
فالنص عند علي إدريس قائم على لعبة ،
من الامثلة على ذلك مانجده في مطلع هذا النص
« كنا نلقي نظرة
على منزلنا الجديد
توزعنا على ردهاته
جدي انسحب من بيننا
ثم دخل الى المنزل المجاور ..»
هنا لعنة المكان حيث الذات تعاني التأزم الداخلي وتفتح الحكاية ابواب الاسئلة عن فقد الوجود والدفء كذلك عبثية الخيال .
اخيرا :
استطاع القاص علي إدريس في مجموعته « بعيدا خلف الاستار »ان يعطينا بعض الومضات واظهر تداعيات ومواقف اجتماعية وإنسانية حيث تكشف القصة عنده عن حالة الإنسان المقهور . واستطاع ايضا ان يبني قصصصا قصيرة جدا بوعي ثقافي وبعد إنساني وواقع حياتي ضمن التراكم المعرفي في عالم الكتابة الإبداعية وذاكرة المجتمع.