وزير الإعلام، وغير المباح من الكلام

قبل أيام، قال وزير الاعلام أحمد بلال ما قال، عن قناة الجزيرة وسد النهضة، وبدا ناطقا باسم الحكومة المصرية، ثم أدرك أنه جاط الدنيا، وخاض في ما لا يعنيه، فحاول أن يكحلها فعماها، وهو بالتأكيد يخاف الآن عقباها، فقد أكد أنه الناطق الرسمي باسم الحكومة، ثم عاد فقال إن مطالبته قناة الجزيرة بالكف عن التدخل في شؤون نظام الحكم في مصر وزعزعته «وكأنه – اسم الله عليه – لا يواجه مشكلة سوى قناة الجزيرة». مطالبته تلك: رأي شخصي
هذا التخبيص والتجليط ممارسة عامة في دهاليز الحكم عندنا، فمن حق كل شاغل منصب عليها القيمة – مثلا – أن يفتي في أمور سياسة البلاد الخارجية، فالتنفيذيون والدستوريون عندنا ضعيفون أمام المايكروفونات والكاميرات، وإذا وجدوها أمامهم، خطرفوا بلا شيء، في كل شيء، وما قاله وزير الإعلام فيه تغول على وزارة الخارجية، وقرار السودان بشأن سد النهضة قرار سيادي، وليس من حق سيادته أن يخرج على ذلك القرار، خاصة وأنه من المعلوم أن قرارات مجلس الوزراء ملزمة للجميع «بافتراض أن مجلس الوزراء له صلاحيات البت في السياسات العامة».
ويتهم وزير الإعلام قناة الجزيرة بالتدخل في شؤون مصر، ولكن مالك أنت ومصر؟ ولماذا تتدخل أنت في شؤون السياسات التحريرية للقناة، فمن حق المشاهد العادي أن يقول في القناة ما يشاء، ولكن ليس من حق وزير «إعلام» في دولة ما أن يحشر لسانه في شؤون أداة إعلامية في بلد آخر، «ما لم تكن تلك الدولة ال»ما» في حالة عداء صريح مع الدولة الحاضنة للأداة»، علما بأن وزيرنا حامل صمصام العُشَر، لا يملك صلاحية وحق التدخل في شؤون الفضائية السودانية التي تتبع – ولو على الورق – لوزارته.
والذين ملكوا الصبر والجلد على متابعة تصريحات السيد وزير الإعلام، يعرفون أنه صريح في معارضته لحرية الإعلام، ولا تثريب عليه في ذلك، فدور الوزارة أينما وجدت، هو تدجين وترويض منابر الإعلام غير الحكومية، ولكن السيد أحمد بلال بالذات يريد على الدوام ان يثبت أنه كاثوليكي أكثر من الحزب القابع في النادي الكاثوليكي، فهو يدرك أن المنصب الذي يشغله هو حصة حزب لا وجود فيزيقيا له، بعد أن تفركشت عضويته التي كانت أصلا محدودة جدا، وكان مؤسس الحزب الراحل زين العابدين الهندي يملك الكثير من الخبرة السياسية والدهاء والقدرة على التكتكة، ولكنه أيضا صاحب مقولة: الديمقراطية لو شالها كلب من قدامي ما بقول ليه جَرْ.
وكما أن طويل الجرح يغري بالتناسي، فإن طول البقاء في المنصب يُنسي شاغله أن الدنيا دولاب دوّار وما «دوّامة»، ولهذا «صدّق» أحمد بلال، او حسب أن لديه الحصانة ليطلق العنان لحصانه «لسانه»، وهو يقول في سره: ياما غيري سووا الهوايل وعملوا العمايل وما جاتهم عوجة، ولكن ما يفوت على وزير إعلامنا هو انه ليس مسنودا كما يحسب، لأنه فقط جزء من الديكور اللازم ل»حكومة الوحدة الوطنية»، والحزب الذي يمثله استنفد أغراضه منذ مرحلة «التوالي»، ولولا ان السيدة إشراقة سيد غير مرغوب فيها حكوميا، لطار الوزير في التعديل الوزاري الأخير، وحتى مستر بين Bean يعرف أن بقاء أحمد بلال وزيرا للإعلام ما كان لسبب، سوى أنه يأتمر بأمر المؤتمر الوطني، ولا يقول إلا ما يؤمر به، وليس من حقه ولا طالب هو يوما ما أن يكون له رأي خاص ومستقل في قضايا البلاد، باعتبار أنه يمثل حزبا سياسيا غير المؤتمر الوطني.
ولست ميالا إلى الرأي القائل بان تصريحات وزير الاعلام بشأن قناة الجزيرة وسد النهضة، جزء من عملية تقاسم الأدوار إزاء الأزمة الخليجية الراهنة، فموقف الحكومة الواضح من الأزمة هو عدم الانحياز لطرف فيها، فهل يعني هذا أن انحياز بلال لأحد طرفي الأزمة سيؤدي الى حصوله على الكرت الأحمر؟ هذا موقف نقول عنه في السودان: كدا ووب، وكدا ووبين. فإذا فقد منصبه بسبب تصريحاته، فإن ذلك سيعتبر أيضا انحيازا لطرف ما في الأزمة، وهكذا فإن لسان وحصان أحمد بلال جعل حال الحكومة «حال»