الكفاءة والمبادئ

هناك قولٌ لا يكف البعض عن اللهج به ، وهو المتمثل فى العبارة بأن الأولوية فى التكليف ينبغى أن تكون لمن صدق وليس لمن سبق ولكن هذه المقولة قد تكون صحيحة إذا كان المعنى منها أن يكون الصدق مقروناً بالكفاءة ، أما السبق فهو كذلك ليس أمراً مرفوضاً ، إذا كان مبنياً على مبدأ، وخبرة ، ومعرفة ببواطن القضايا مع عدم تناقضها مع الأشكال الظاهرة والوقائع الملموسة ، والسيرة المتصفة بالنزاهة والنضار .
والدول التى ناطحت ذرى المجد ، وعانقت بإنجازاتها عنان السماء ، إستندت على أكفاء من الطراز الأول ، وأهل مبادئ لا تزعزعها رياح عاتية ، ولا تفت من عضدها جماعات متآمرة ، ذلك لأن إستئجار النائحات عند فقد عزيزٍ ، يثبت بأن الذى فُقد لم يستحوذ على شغاف القلوب ، ولم يكن محبوباً ، ليذرف الدمع على وفاته الأصدقاء والأهلون ، أو كما يقولون بأن البكاء يحرره أهله ، وأن النائحة الثكلى ليست كالمستأجرة .
ويكفى أن نشير إلى أولئك الرجال النماذج الذين تجاوزوا مستوى الكفاءة ودرجات الإيمان ، فأسسوا دولة عظيمة يحكى التاريخ بعلو شأنها ، وتمدد آثارها ، وسيرة أبطالها ، فكانت مثلاً أذهل العالمين فى مختلف المجالات التى تأتى على رأسها القيم ، والمثل ، والأخلاق ، فكان العدل شيمتها ، والمصداقية ركناً من أركانها ، ويحق لنا بعد ذلك أن نقول بأنها لم تكن حديثاً يفترى ولا فتوناً يُتردد ، بل هى الحقيقة المقررة ، والأحداث الثابتة ، والعظمة الحقيقية التى رصعت التاريخ بنورها الساطع ، وقاد خطاها أصحاب محمدٍ بن عبدالله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم .
والكفاءة لا تتنافى مع المصداقية ، إذا إقترنت بالمبادئ ، لكنها ان كانت كفاءة بغير مصداقية ، فهى ذات ضرر بالغ ، ذلك لأن من تأهل تأهيلاً عالياً ، بينما لا يؤمن فى قراره نفسه بأحقية من أسندوا له المهمة لينالوا إستحساناً ، فسيعمل بحكم تأهيله على التخريب ، ولا يكون هدفه إلا بسد الطريق الذى يعلم بكيفية إنسداده ، وعرقلة المسير فى مساره .
ومن تمتع بالكفاءة ، وهو عدو لئيم ، وحاسدٌ بغيض ، لا ينبغى أن يولّى بشأن ، أو يؤتمن على وديعة ، أو يعوّل عليه ، لأنه من العارفين بالكيفية التى من خلالها تؤكل الكتف ، ويهشم العظم ، وتنهار المنجزات ، وتفشل المشروعات.
وبيوتات الصناعة ، لم تزل تترك أسرارها فى الصناعة لآخرين بل إحتفظت بسر المهنة ، تجنباً لرواج بضاعات كاسدة ، وسلع رخيصة عندما تكشف الأسرار ، فتصبح صناعتهم ألعوبة فى بيوتات تخصصت فى فنون التزوير والتقليد لتشويه ما كان أصلاُ ، ولم تستطع يدٌ أن تفعل به أسوأ الأفاعيل .
أما المبادئ المجردّّة من الكفاءة فهى كذلك ، كالأمانى الطائرة ، وأضغاث الأحلام الكاذبة ، ذلك لأن مربط الفرس أن يكون المبدأ قابلاً للتطبيق والمشروع واقعياً ، وفقاً للإمكانات المادية ، والكفاءات العلمية .
إذ لا يفيدنا كثيراً أصحاب مبادئ مستكنة في الضمائر ، دون جهدٍ لتتحول لواقع ، كما أن الفائدة تنعدم ، بل تحل الخسارة عندما يسند الأمر لرجلٍ لا يدري وهو لا يدري بأنه لا يدري ، وعندها لا تجدي مبادئٌ مستكنة في الضمائر ، دون معرفة بأبجديات الواقع ، وعلوم التنفيذ .
ويا للبشرى لمجتمع ودولة ، يقود خطاهما أصحاب مبادئ ثابتة ، وعقيدة راسخة ، مع كفاءة نادرة ، ولا نملك عندئذٍ أن نقول بأن هناك قصراً مشيداً ، أو بئراً قد عُطلت فيما لو إقترنت المبادئ بالكفاءات .