د. عبد القادر ..حياة بعد الرحيل

حامد عثمان حامد

سينتظر السودانيون كثيرا حتى يصعد الي منبر الوعي والمعرفة عالم في قامة الدكتور عبد القادر محمد عبد القادر خبير الجودة والمواصفات الذي رحل عن دنيانا في الاشهر الماضية تاركا وراءه فيضا من العلم ينساب عبر المذياع ليصل الى كل البيوت ويعانق الاسماع في غير ما تكلف ولا تصنع يخاطب مستمعيه بصوته المميز ويصنع جسراً من الالفة بينهم وبينه فامتدت صلته معهم الى دورهم يتفقد احوالهم ويسعي في قضاء حوائج بعضهم بلا ضجيج اعلامي وزفة برتكول وحاشية .
بعد ان غادر الموقع الحكومي لم يعلن نهاية حياته العملية ويجلس في بيته ينتظر مجالس السمر ويقضي طرفي النهار وزلفاً من الليل في المجاملات التي لا تنتهي ، ولم يركن الى وعود المسؤولين يرابط عند ابوابهم ينتظر القسمة من قوائم المناصب عله يظفر بوظيفة او منحة او حتى مجرد تسهيلات حكومية يتخطى بها اصحاب الحقوق بتوصية من اهل النفوذ ،لم يسلك الدكتور عبد القادر هذه الدروب الوعرة وان بدت للغالبية هي الطرق الايسر للراحة وانما لاذ ببيت آمن هو اذاعة البيت السوداني وقائدها المبدع طارق البحر التي اكرمت وفادته واعدت له متكئاً ليخاطب المستمعين فهي دائما ما تنزل الناس منازلهم وتعرف قيمة العلماء فما خيب الرجل حسن ظنها به ، وما هي الا اشهر قليلة حتى بسط معرفته وتمدد تأثيره حتي أضحي صباح الخميس موعدا ينتظره الناس لا يخلفونه ، فظل على مدى عقد من الزمان ينشر الوعى الصحي ويصحح السلوك الغذائي، احتوى هذا المضمون القيم في ألف ساعة قام بتسجيلها باسطاً من خلالها المادة العلمية باسلوب سهل ولغة تفهمها الامهات في البيوت دون مشقة بل استطيع القول ان البرنامج حظي بمتابعة من شرائح مختلفة من المجتمع تتفاوت في مستويات التعليم والاعمار لكن وجدوا في برنامج د/ عبد القادر ضالتهم وعند واحته استطاب مقامهم فقد عرفهم بالقيم الغذائية في منتوجاتنا الزراعية التي لا تشكل عبئا على دخلهم البسيط كلمهم عن فوائد التبلدي ،والموز، والسمسم ولفت انتباههم الى العرديب والدخن وغيرها مما تجود به ارضنا السمراء،ولعل ما نشاهده من اقبال على تصنيع هذه المنتجات من بركات هذا الرجل وحسن صنيعه ، ومن ثم فتح الباب امام تجارب مستمعيه في افضل تجسيد للاعلام التفاعلي فالمستمع يشارك بقصته ويدلى برأيه ويتداخل معه المذيع الشاطر/ ياسر محمد بشير وينقل الحوار للدكتور عبد القادر ثلاثية رائعة نال منها جمهور المستمعين فائدة عظيمة ونسأل الله ان تسجل صدقة جارية فهي من باب العلم الذي ينتفع به.
من المؤسف ان الرجل برغم عطائه الثر وما احدثه من تغيير واضح في المجتمع لم يحظ بعمل اعلامي مصاحبا لرحيله الحزين او حتى بعد ذلك في سبيل تعريف الرأي العام بجوانب من حياته خافية عليهم والغوص عميقا في اثاره الباقية ، وكأنه قد كتب على علمائنا ان يظل رحيلهم صامتا وسيرتهم منسية في حين يفرض علينا ان تتوقف الحياة عند رحيل بعض الناس ، وبالرغم من اسفنا على رحيلهم الا ان ما ينالوه من تغطية اعلامية وتكريم رسمي يضع حاجب الدهشة في اعلى مستوى للاستغراب والتعجب.
الدكتور عبد القادر محمد عبد القادر عليه الرحمة هو من بقية سلسلة مضيئة من كرام امتنا تضم علماء افذاذ تجاوز عطاؤهم قاعات الجامعات الضيقة الى رحاب المجتمع الواسع بمشاركاتهم الاعلامية القيمة امثال د/ ابو عبيده المجذوب وبرنامجه الشهير «حياتك» والأستاذ /نور الدين سيد أحمد «الحقل والعلم » والبروفسير / التجاني حسن الامين«وجه النهار» ، والبروفسير عبد الله الطيب «دراسات في القرآن الكريم ، وغيرهم من النجباء الكرام عليهم رضوان الله فقد فتحوا الطريق لبرامج تلفزيونية واذاعية مفيدة للناس لا يختلف اثنان في اهميتها وضرورتها خاصة مع تمدد الاعلام الترفيهي وايضا الاخبار وسيطرتهما على الشاشات والاذاعات.
ستظل سيرة الدكتور عبد القادر محمد عبد القادر ملهمة لاجيال قادمة وستبقى نموذجا مشرقا للاعلام العلمي ، وسيذكر السودانيون اسمه بكل الخير ويدعون له فقد آنسهم بالكلام المفيد ونصحهم بالقول الحسن لم يتعال وهو العالم ،ولم يتكبر وهو الدكتور بل ظل قريبا منهم يلقاهم في كل خميس بموضوع جديد وبعلم غزير ، لقد افتقدوه واقاموا سرادق عزاء في قلوبهم انتشرت على مد اثير البيت السوداني وكانوا يعزون بعضهم في فقدهم فالكل يعتبر انه صاحب الفقد ولا احد غيره.
من دروس رحيل هذا الرجل القامة ان الاثر العظيم الذي يتركه الانسان ليس محصورا فقط في ابواب السياسة والوظائف العامة ، ولا بكثرة المال لينفق على المشروعات الخيرية ، وليس بالشهرة في الفن او الرياضة ،ولكن في يقيني ان باب العلم باتساعه الذي يدخل اليه الناس افواجا يجدد حياتهم وينمى افكارهم ويصلح حالهم هو من الابواب التي تحفظ للانسان سيرته وتبقى اثره كيف وقد اقترن بالاعلام وسيلة وبالاذاعة وسيطاً .
رحم الله الدكتور عبد القادر محمد عبد القادر وكتب له ما قدمه في ميزان حسناته.