عندما نقارن بين هبات مجانية وتجارب ثرية وخبرات

يلاحظ من حيث الناحية العامة بأن العطاء المادي المجاني دون مقابلة ذلك بعمل حقيقي وأداء مقدر ، يذهب جفاءً ، ولا يأتي بعائد لا للعاطي ، ولا لمن أُعطى ، بل قد يكون مثل هذا العطاء مسبباً لآثار خطيرة تنعكس علي مستقبل الذي يُمنح دون حقٍ يستحقه ، أو عمل قام به ، فيصيبه التكلس ، والكسل إلي درجة فقدان الهوية ، ومسخ الشخصية ، والإتكالية التي تقضي علي العمر والشباب ، ليصبحا بلا ثمن ، عندما يتحول المرء إلي كتلة لا فائدة فيها ، وعالة علي الوالدين ، والأسرة والمجتمع الذين ما كانوا يرجون عند ميلاده ، أن يكون أبنهم من أسوأ الذراري التي قذفت بها الأرحام .
ومن ينال جزاء تجربته مالاً ، أو عقاراً ، أو حتي فشلاً ، فإن المال سيربو ، والعقار سيكون له ريع ، والفشل سيكون درساً من الدروس التي تمنع من الانزلاق ، ويوفر الأرضية الصلبة للانطلاق ، دون أن يتكرر الفشل ، ذلك لأن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين .
أمَّا عديم التجربة ، والذي يولد وفي فمه ملعقة من ذهب ، فإنه لا يتحمل لأواء الحياة ، ولا شظفها ، كما انه يفتقر للعوامل التي تمنحه الصمود أمام العاديات ، لأنه كسيحُ ، ولم يتناول أقل جرعات من التدريب علي خشونة العيش ، ومشاكل الحياة ، ومهما بُذل العطاء سخياً لأمثال هؤلاء ، فهو عطاءُ ُ يقود نحو المزيد من الإنهزامية ، والخيبة التي تقطب الجبين ، وتقود نحو الندم الذي يقتحم قلوب الآباء ، والأمهات.
والتجربة في مضمار الحياة ، لابدَّ منها ، ولا يمكن لشخص أن يتعلم من تجارب غيره إلا النذر اليسير ، ولكن من يطأ جمرة الحياة ، ولهب التحديات ، وقساوة عمليات التدريب ، والتمرين ، يشتد عوده ، وتبني شخصيته، ويكتسب بمثل ذلك ، الفراسة ، والكياسة وينقدح عقله بشرارة المعرفة ، وهذا هو عين الذكاء ، وإصابة الفلاح في الدنيا والآخرة ، إذ لا يستوي الذين يعلمون ، والذين لا يعلمون.
وتحضرني فيما ذكرت من حالات يراها معظمنا متجسدة وشاخصة أمامهم ، حالة قد تفيد كثيراً لمن يدعون بأن العطاء المجاني بالإمكان أن يكون حلاً للمفلسين والفقراء وذوي الحاجة ، بأن رجلاً تعود علي التسول وأتخذه مهنة، وعندما لم يجد من يعطيه ، وهو يتمتع بقوة في الجسم ، لجأ إلي الإحتيال ، وتقمص شخصيات رجال الشرطة ، وأفراد الأمن ، وجمع إثر ذلك السلوك المنحرف مالاً وثروة إستمرت تتضخم دون جهدٍ مبذول ، أو عمل شريف سُكِبَ
من أجله عرقُُ ، ومجهودُُ ، فكانت النتيجة بعد تعاقب السنين بأن أبناء هذا الرجل ترسموا طريقه ، وأخلدوا لما لوالدهم من ثروة ، فوظفوها لأكل أموال النَّاس بالباطل ، وإستغلال الذي نهب من قبل والدهم، فلم يستمعوا إطلاقاً لمن أرشدهم بأن الحرام يذهب من حيث أتي، وطفقوا يبددون الثروة يميناً ويساراً، ففقد الوالد أبناءه ، كما فقد أمواله المنهوبة ، وبما أني لا أمتهن مهنة كشف الحال ، وإثارة الكراهية ، ونزع الغطاء عن العورات، فالحالات الشبيهة بالعطاء المجاني التي آلت بأصحابها إلي بوارٍ ودمار ، قد لا يستطيع أحدُُ منا أن يحصيها ، وإن كنت علي علم بالكثير منها . فتربية النشئ تحتاج إلي دروس في مجال التجريب ، والتدريب ، وإمتهان السياسة ليس مجالاً للبيع والشراء ، كما كانت تمارس تجارة الرقيق .
أما المتسولون في حقل السياسة ، والمزايدون علي فوائد التجربة ، والذين يطمعون نحو إستحقاق ليس لهم ، ونحو ثروة دون جهد مبذول ، كلهم موعودون بذهاب الريح ، وضرب الرقم القياسي للفشل الذريع .والعطاء المجاني يورث الخسارة ، والتجربة ، والإلتصاق بالحياة ، ومتاعبها يورثان النصر ، والإنتصار لصاحبهما ، ولو بعد حين.