والخطر يأتي من مأمن الحذر …أحمد بلال نموذجاً

تبقى علاقات الدول فيما بينها تحكمها قواعد واعراف لايمكن تجاوزها والإ يبقى الأمر محل استنكار وتوضيح تطلبه الاولى من الثانية ، ولان تلك العلاقات يجب ان تكون على مستوى الندية في الاصل وان لاتشعر واحدة ،الاخرى بالدونية ، والسودان منذ اكثر من عقدين من الزمان انتهج ذات السياسة التي تجعله يحظى باحترام وتقدير الاخرين انطلاقا من ذات المفهوم الذي يعزز ويؤسس لعلاقات جيدة تخدم مصالح السودان مع الاخرين ، ولم يكن السودان في ذات يوم محتاجا لنصائح او توجيهات من احد ان كان جارا مباشرا او سابع جار لان السودان منذ بدء التاريخ عاش وتداخل مع أمم وشعوب في حضارات سبقت الديانات والرسالات النوبية بل تعايش وتفاعل مع تلك الرسالات وكان السودان حضورا في مشاهد احداثها كما أثبت التاريخ ذلك وان كان هذا الكلام لايعجب الكثيرين ممن يحتكرون التاريخ زورا وبهتانا .
فهذه المسيرة الطويلة الممتدة عبر العصورالقديمة ماقبل الميلاد وتلك التي اتت بعد الميلاد فيها سجل حافل بانماط العلاقات واحداث التاريخ وفصول الحضارات المدونة عبر وسائطها المعروفة في ذلك الزمن القديم تشهد على ذلك ولعل اخر مايؤكد ذلك ما جاء على لسان الباحث السويسري في مجال الاثار شارلي بونية الذي قال ان السودان حكم المنطقة الممتدة حتى فلسطين والشام ، فدولة بهذه العراقة وهذا التاريخ الكبير كيف يقع منسوبوها في مثل هذه الاخطاء القاتلة مثل مافعل وزير الإعلام أحمد بلال عثمان في مؤتمره الصحفي الذي عقده بالسفارة السودانية بالعاصمة المصرية القاهرة عقب مشاركته في مؤتمر وزراء الاعلام العرب الذي انعقد بالقاهرة مؤخرا ، والذي اصاب رشاش حديثه عمق العلاقات بين ثلاث دول مهمة في علاقاتها ، وقد يكون الامر ازداد تعقيدا واهمية انه صادر من وزير الاعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة ، والحكومة السودانية كانت توازن في علاقاتها الخارجية والثنائية حتى عندما حاولت بعض القوى ان تحاصر السودان عن طريق جيرانه وساءت العلاقات مع معظم دول الجوار في فترة زمنية واحدة الا ان السودان استطاع ان يعالج هذا الامر وجعل من تلك الأزمة فرصة لترتيب العلاقات على اسس جديدة تضمن لها التواصل وتبادل المنافع والمصالح وتصل ان تكون استراتيجية والنماذج في ذلك كثيرة جدا فاذا اخذنا العلاقات مع اثيوبيا وارتريا وتشاد وافريقيا الوسطى ويوغندا وجنوب السودان بعد الانفصال ،وحتى الدول العربية التي لم تخل العلاقات معها من شيء من التوتر مثل مصر وليبيا الا ان السودان حافظ فيها على شعرة معاوية ، وحاول جاهدا امتصاص اي اثار جانبية قد تعود بالضرر على الشعبين ، ايا كانت الدولة عربية ام أفريقية ، وان تكون العلاقات مع دول الجوار وغير الجوار مرتبطة بتلك الاستراتيجية التي يقوم عليها السودان .
ولكن يبدو ان السودان كان لايخشى من كل تلك المحاولات التي حاولت ساعية وجاهدة ان تضرب السودان في علاقات مع دول الجوار ولكن على رأي المثل وفي ما معناه ان الخطر لا يأتي الا من مأمن الحذر ، وهو الامر الذي وقع في السودان بالفعل في حالة وزير الاعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة ويبدو انه لسان غير مبين فقد احرج الحكومة والتي هو لسانها.
واعتقد ان بلال قد جانبه التوفيق في تصريحاته هذه وان فترته الطويلة في وزارة الاعلام وفي الحكومة عندما جاء مرافقا للسيد الشريف زين العابدين الهندي مع منتصف التسعينات لم تشفع له ان يبين طبيعة المرحلة والتوازن في العلاقات والذي هو شيمة أهل السودان منذ عمق التاريخ وحتى الان واعتقد ان الاصوات الموالية والمحايدة التي تناوشته قد يكون معها بعض من الحق لانه لم يع ان في مثل هذه الظروف تستغل التصريحات وتسوق الكلمات وتنتظر السقطات خاصة ان كانت من الحكومات ولسانها ، وان الحكومة تتحمل تكاليف العلاج كما يحدث في حوادث المرور خاصة ان امر العلاج سيكون صعبا ان كانت الكسور مركبة او مضاعفة او هنالك نزيف داخلي ربما يعقد أمر العلاج او يستطيل زمنه مهما كانت كفاءة العلاج ، وهذا بالضبط ما احدثته تلك التصريحات ولا أدري ان كان بيان وزارة الاعلام اول المحاولات لتجاوز اثار التصريحات فانها لم تشف إجابة عن الاسئلة المطروحة بل تزيد من تكاثر التساؤلات حول الظروف والملابسات التي تضع وزيرا مهما مثل وزير الاعلام والذي تؤكد مكانته جلوسه برتوكوليا في قاعة مجلس الوزراء ،
واعتقد ان الشرخ الذي احدثته تلك التصريحات قد أثر كثيرا في البنيان الدبلوماسي الذي تقوده الخارجية وذهب بجمال العمل المؤسسي الذي رعته الحكومة طوال الفترة الماضية .