جوبا تعيش فترة «مؤقتة» خروج مشار مستشفياً.. المعادلة الصعبة

masharالخرطوم :فاطمة رابح

الحالة التي تعيشها دولة جنوب السودان حاليا عقب خروج زعيم المعارضة الجنوبي دكتور رياك مشار تينج مستشفيا تلازمه زوجته انجلينا تينج لا تشبه الحالة التي خرج بها من العاصمة الجنوبية جوبا وقصرها الرئاسي متمردا ومجبورا من قبل وان كانت الحرب سيدة الموقف في كلتا الحالتين حيث يشير محللون سياسيون الى أن الأوضاع الجنوبية تقف في محطة غير النهائية «المؤقتة» ومأزومة للحد الذي يمكن أن تنفتح فيه الأوضاع على احتمالي «السلام أو الاستمرار في الحرب» وأن مشار يظل في اطار الوضعين رقما لا يمكن تجاوزه سواء أكان ـ معافى او مريضاً ـ وخارج حدود دولته أو بداخلها لما له من أدوار محورية في عمليتي السلام والحرب.
السقوط في اتون الحرب الاهلية:
ثمة خوف يتملك المجتمع الدولي والاقليمي على حد سواء من أن تسقط دولة الجنوب تحت دائرة حروب أهلية يصعب رتقها على المدى القريب اذا ما أصاب الزعيم الجنوبي رياك مشار اي مكروه لذا سارعت باسعافه من المرض الذي أصابه بسبب السير المتواصل وسط الاحراش والأدغال وساعدت قوات أممية في نقله من الأحراش ووضعته في عهدة الكونغو الديمقراطية ومنها الى السودان حيث أعلنت حكومتا «الخرطوم ونيروبي» استقبالهما للرجل لدواع انسانية وبالتالي فان خروجه من دولته بمساعدة وفي اطار ترتيبات دولية واقليمية وهو ما يؤكد دوره «المحفوظ» وبالعنصر المهم في عملية اعادة بناء السلام  لاسيما وان مشار يعلن التزامه باتفاق السلام الموقع في أغسطس من العام الماضي  في مواجهة انتهاكات الطرف الآخر والمتمثلة في رئيس دولة الجنوب سلفاكيرميارديت.
مشار الرقم
ولأهمية الرجل سبق وان نبهت الأمم المتحدة ،سلفا  إلى ضرورة أن تتوافق أى تعيينات سياسية ، مع اتفاق السلام الذي أنهى قرابة عامين من الحرب الأهلية، بعدما استبدله بتعبان دينق نائبا أول له فلا يشبه انسحاب مشار بسبب علته المرضية وترك قواته في ميدان المعركة الجنوبية  فبعد تحسن حالته بالخرطوم صرح مقربون منه  عزمه التوجه للقاء رؤساء دول الايقاد «السودان،  اثيوبيا وجيبوتي واوغندا وكينيا» ، لايشبه  انسحابه الذي حدث في عام  2013، حين تفجرت الحرب واستمرت عامين، بعد أن سحب مشار -الذي أقاله سلفاكير من منصب نائب الرئيس- قواته من جوبا، وقاد بعدها تمردا شاملا كما انها لا تشبه ايضا انسحابه من جوبا اخيرا بعد أن اندلعت معارك قتالية حامية الوطيس بين القوات الموالية للرئيس سلفاكير ميارديت ومشار حيث اتخذت الحرب من العاصمة مسرحا للعمليات، الأمر الذي أفزع كل السكان والمقيمين ، وشمل البعثات الدبلوماسية الأجنبية ودعاها إلى إجلاء رعاياها لأول مرة منذ انفصال هذه الدولة عن السودان قبل خمسة أعوام ، لكن بعض المحللين السياسيين يذهبون الى قراءة واقع المشهد الجنوبي الماثل بعد خروج مشار الى اعادة الأمور الى ما قبل أغسطس ـ اي انها اعادة الانقسام في الصف الجنوبي مجددا ـ والذي عمل على توحيده بتوقيع الرئيس سلفاكير ميارديت والمتمرد مشار وهما القطبان الرئيسان في الصراع الجنوبي.
لا مناص من المصالحة الوطنية
وتأسس على اتفاق السلام الموقع في أغسطس 2015م اقامة حكومة الوحدة الوطنية التي ضمت أطرافا أخرى، غير أن تعثر تطبيق الاتفاقية أدى لحدوث شرخ في حكومة الوحدة الوطنية وذلك بعد أن خرج مشار وتبعه زعيم قبيلة الشلك دكتور لام أكول وآخرون وحدوث اشتباكات وارهاصات وعودة الحرب الأهلية و السياسية من جديد ، مما أفرز حالة من الاستقطاب مرة ثانية بين الطرفين، طرف تمثله الحكومة بقيادة سلفاكير وطرف تمثله المعارضة التي يعبر عنها مشار ولام، ابرز رموزها ولذلك فان الأمور في دولة الجنوب عادت الى نقطة الصفر وهو ما يتطلب اعادة تجديد المسعى السلمي لدول الايقاد من اجل اعادة الوحدة بين الأطراف الجنوبية كافة لضمان تنفيذ اتفاق اغسطس، وقد وصل للعاصمة الكينية نيروبي في منتصف الاسبوع الماضي وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في مسعى مماثل حيث عقد اجتماعا مع عدد من وزراء خارجية الدول المحيطة بالجنوب من أجل ايجاد مخرج للأزمة ويحول دون انزلاق الجنوب في الحرب الأهلية وفي هذا الاطار فانه لايمكن تجاهل الدور الذي يلعبه رياك مشار في مثل هذا المسعى والذي يتطلب تحقيق المصالحة بين قريبه تعبان دينق ومشار من جهة وبين مشار وسلفاكير من جهة ثانية ومن ثم انضمام التحالف الذي يقوده لام أكول في المسعى نفسه ، ودور مشار محوري في عملية المصالحة الوطنية الجنوبية وفي الخطوات اللاحقة لها لانقاذ اتفاق اغسطس وذلك لعدة اعتبارات منها ثقله القبلي والسياسي ودوره التاريخي في قضية الجنوب ومعتقدات اهله من النوير فيه كما يمكن للسودان والذي يتميز بعلاقة مع كل الأطراف ان يلعب دورا محوريا واساسيا في تحقيق المصالحة الجنوبية ودعم مساعي السلام.
اعادة السلام
وبالأمس قال فيستوس موغاي رئيس مفوضية المراقبة والتقييم لسلام جنوب السودان المعروفة اختصارا باسم «جيمك» ،إن المفوضية ستعمل بكل ما في وسعها مع حكومة جنوب السودان من أجل إعادة الاستمرار في عملية تنفيذ السلام وزاد  في تصريحات صحفية عقب لقاء مع رئيس جنوب السودان سلفاكير و نائبه الأول تعبان دينق، ان المفوضية تدعم رئاسة جنوب السودان من خلال تقديم النصح وتستمع إليها من أجل دعم تنفيذ اتفاق السلام وتابع «لا يمكنني القول إن السلام الذي ننشده قد أتى بعد، و لكن كل الذي يمكننا فعله هو تسهيل عملية تنفذ اتفاق تسوية النزاع بجنوب السودان وإرساء السلام.
هدوء وعواصف
وينظر الى الأوضاع التي تسود دولة الجنوب في الوقت الحالي بالهدوء الذي يسبق العاصفة على مستوى جبهات القتال ، وكل التوقعات تشير الى ان الجنوب ينحدر حول حرب طاحنة وفي الوقت نفسه تنشط وتتسابق كل المساعي الدولية والاقليمية في الاسراع نحو عقد التسوية السلمية.
ويبدو ان الوضع الهادئ والهش هو نتاج للمساعي السلمية بحيث إن القوة الدولية مارست ضغوطا على الطرفين المتحاربين لمنع التصعيد العسكري وتعمل على تسريع المصالحة بينهما ومن جهة ثانية نشر قوة دولية لحفظ الأمن.
مشار وتعبان
ويعتقد المحللون السياسيون ان مشار رقم مهم في معادلتي «الحرب والسلام» بالجنوب بقدر كبير ولا يؤثر وضعه سواء أكان يشغل نائبا اول في الحكومة بجوبا أو خارجها، كما ان خليفته تعبان دينق ليس بمقدوره ان يحل محل مشار على الرغم من انتماء الرجلين للقبيلة نفسها «النوير» مشيرين الى ان مشار وإلى جانب ثقله القبلي وتاريخه فهو زعيم تحيط به الأساطير والمعتقدات لدى قبيلته التي تكرسه كزعيم للقبيلة وهي من الميزات التي لا تتوفر لدى تعبان.
النصيحة
وينصح المحللون المجتمع الدولي بتوفير الحماية الأمنية كواحدة من بين شروط عديدة لعودة مشار الى جوبا مجددا لافتين الى ان المجتمع الدولي غفل من قبل عن تأمين حياة الرجل حينما ضغط لأجل توقيع اتفاق السلام واعادته الى القصر الرئاسي بجوبا.