(حكومة القضارف) … إنتاج الأزمات !!

تحكي الرواية المعروفة والتي اصبحت مثلا اسطوريا متداولا يحفظه كثيرون عن ظهر قلب .. ان تورا هائجا ادخل رأسه في (جرة) ولم يستطع اخراجه منها .. تجمع اهالي القرية حوله لفعل شيء لانقاذ الموقف  … ولكنهم فشلوا فقرروا الاستعانة ب(البصيرة ام حمد) كما مشاع بينهم انها من حكماء القرية .. فجاءت (البصيرة الحكيمة) مهرولة وشاهدت الموقف وبعد تأمل وتفكير امرت بعض من شباب القرية بـ (قطع رأس الثور) فكان لها ما امرت … ولكنهم فشلوا ايضا في اخراج رأس الثور من الجرة .. وبعد تفكير عميق امرتهم (البصيرة ام حمد) هذه المرة ب(كسر الجرة) فكسروها لاخراج رأس الثور … وهنا ادرك اهل القرية انهم فقدوا (الثور والجرة) معا …!!
كان عشم اهل القضارف ان ينقذهم واليهم الجديد المهندس ميرغني صالح القادم  اليهم من شمال البلاد من مستنقع الوحل الذي كادت ان تغرق القضارف فيه من خلافات (سياسية وتنفيذية وتشريعية) اطاحت بآمال وتطلعات انسانها التنموية والخدمية ، جاءها المهندس واستبشر به اهل القضارف (صالح  ابن صالح) ، وكانت مياه القضارف تحديا ، ولكنهم اكتشفوا ان من استبشروا به خيرا لم ينتج الا الفشل والحسرة والندم كحال (البصيرة ام حمد) ، اذ ظل مشروع المياه يعاد تدشينه بالقضارف مرات ومرات بسيناريوهات مختلفة ووعود مكرورة وقد باءت جميعها بالفشل فخسر المهندس صالح اهل القضارف وخسر تعاطفهم معه بسبب ادارته الفاشلة والتي نراها فشلت في تحقيق حلم اهل القضارف الذي قتله الوالي صالح في مهده .
(المهندس صالح) اعاد للقضارف الشللية والمحسوبية وتفشي القبيلة والجهوية مع الاسف الشديد بعد ان تجاوزتها القضارف بسنوات ضوئية ودوننا الفتنة التي افتعلها صالح واشعلها حربا شعواء بين القبائل والاهل والعشيرة والتي ظلت مثالا للتعايش علي مر الازمان ، اشعل صالح فتيل الازمة بين (الشكرية والبوادرة) من جهة والان هناك بوادر ازمة بين قبيلتين من جهة اخري وبين قيادات الولاية وعشائرها فيما بينهم من جهة ثالثة بصورة (ممنهجة) ، ولم يتوقف صالح عند ذلك الحد فحسب وكأنه اراد اشعال البطانة بذاتها نارا بتعيينه الدكتور عبد الله البشير معتمدا لمحلية البطانة (الصباغ) في حكومته الاخيرة والدكتور بذاته جزء من الازمة التي لازالت تراوح مكانها بين (قبيلتين) فقد فيها الاهالي ارواحا واموالا ، وكان يمكن ان يكلفه بأى معتمدية اخرى ولكنه زج به فى محلية ذات حساسية ، وأظن رسالتهم وصلت اليه. .
(المهندس صالح) لم يتعظ من تجربته السابقة فجاء بالدكتور اللواء الصادق قسم الله الوكيل وزيرا للصحة ونائبا للوالي للمرة الثانية وقد ظل الوكيل وعلي اكثر من (20) عاما لم يغادر كرسي السلطة من فشل لاخر ولا يحتاج لشهادة لاثباته ، ودوننا تفاقم ازمة الصحة في القضارف من اسهالات مائية وتدهور صحي وانعدام الكوادر ، وقد ظل الوكيل ينتهج سياسة الاستعلاء بالمجتمع الصحى والطبي ، ادت لمغادرة اكفاء الاطباء والعلماء والخبراء القضارف غضبا وأسفا ، وقد كان الوكيل جزءا من الازمة وأحد اسباب تدهور الصحة في السودان وقد ظل يديرها متقلبا ما بين المركز والولايات (22) عاما وكأنها شركة خاصة .
ترك (المهندس صالح) القضارف (غنيمة) يمارس فيها الوكيل ابشع انواع سياسة الاستعلاء وتصفية الحسابات وقد تفنن في استخدم سلطاته للضغط علي قيادات وكوادر الولاية مما ادي لتشريدها ومغادرتها القضارف ، وقد رفض وزير المالية اعادة تكليفه لمرحلة جديدة بسبب خلافات مع الوكيل رغم تدخلات المركز ، فيما نجحت الوساطات لان تتراجع وزيرة الرعاية الاجتماعية عن استقالتها بسبب خلافاتها مع الوكيل ايضا .
فقد ظل صالح يتغيب كثيرا عن الولاية كحال مياهها وخدماتها ، وبعيدا عن قضايا وهموم اهالي القضارف ، بينما ظلت محليات الولاية دون استثناء خارج الفورمة وبعيدة عن مرمي تنزيل توجيهات الرئاسة (نزولا للقواعد) وتكاد تنعدم فيها حظوظ زيارات الوالي صالح بسبب تواجده المستمر في المركز وتغييب البرامج والمشروعات مما اضعفت حظوظ المعتمدين (سياسيا وتنفيذيا وخدميا) ، فيما ظل المعتمدون انفسهم خارج اسوار مجلس الوزراء لا حول ولا قوة لهم بأمر الوكيل ، فإن معظم محليات القضارف والتي ينظر اليها كمنطقة زراعية يرجي منها مع رفيقاتها تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء ، اصبحت منطقة تفتقر محلياتها للمياه وتعاني ضعفا في وحدات التعليم ومرافق وكوادر الصحة، كما تنعدم فيها الكهرباء والطرق ، بينما تزايدت فيها معدلات جرائم التهريب ومعبرا لعصابات الاتجار بالبشر والمخدرات رغم الجهود الكبيرة التي ظلت تبذلها الاجهزة الامنية ، وبنظرة فاحصة لدفتر صالح في القضارف نجده خاليا من الانجازات ولم تسجل الا نسبة متواضعة جدا لا ترقي لمستوي تطلعات اهل قضارف الخير والنماء .
فشل (ميرغني صالح) في ادارة القضارف الولاية الزراعية الاولي والاقتصادية المهمة والاستراتيجية الحدودية ولكن كيف ينجح صالح فيها وقد فشل من قبل في ادارة اصغر الولايات مساحة وسكانا واكثرها استقرارا وحظا في التنمية والخدمات؟! بينما يجد المتأمل في حكومته الجديدة بالقضارف ، يجدها قد اعادت مسلسل (انتاج الفشل) ، حكومة مكرورة (تجريب المجرب) ، وأدت احلام وامال وتطلعات اهل القضارف ب(انتاج الفشل والازمات) .