روايات ..شهادات … أوراق مطوية.19 يوليو 1971 .. انقلاب هاشم العطا …الانقلاب اليتيم !

القسم السياسى / الصحافة

ظل تاريخ 19 يوليو 1971 وما تلاه ما احداث ، من المحطات الدامية فى تاريخ السودان ، ولعله يبقى من اشد الاحداث فظاعة وعنفا فى تاريخ التنظيمات السياسية اذ قام كله وانتهى تحت مظلة الحزب الشيوعى السودانى ، ورغم مرور 49 عاما فلا تزال تلك الوقائع تعانى من بعض الانكار والارتباك ، الحزب الشيوعى نفسه المتهم الرئيسى فى هذه الاحداث يبدو اقرب الى قتل وطى الملف بالنسيان والتجاهل فحتى يوم امس (19 يوليو) لم يصدر الحزب بيانا ولو على سبيل التذكير والترحم على قياداته التي قضيت فى المحاكمات التى تلت الاحداث ، وهكذا يبدو وان ارشفة متعمدة حدثت للامر ، وفى ذكرى 19 يوليو ، تعرض (الصحافة) مجتزاءت من مواد وافادت سبق نشرها حول انقلاب الرائد هاشم العطا ضد حكومة الرئيس جعفر نميرى ، والذى استمر لثلاثة ايام قبل ان يحدث انهيار له ليعود النميرى ويجرى محاكمات غاضبة للضباط والعسكريين الذين شاركوا فى العملية واتبع ذلك بهجمة شرسة وقاسية طالت الحزب الشيوعى السودانى واعدم بسببها غالب قيادات الصف الاول ورموزه بمن فيهم الاستاذ عبد الخالق محجوب والنقابى الشفيع احمد الشيخ والقيادى الجنوبى جوزيف قرنق وهو الامر الذى ادى لسحق الحزب وتدميره حيث يظل الى اليوم يعانى من تلك الفاتورة التى دفعها لفعل صنعه ثم انكره

بدايات الصراع مع النميرى :
غالب الروايات تقول ان صراع الرئيس نميرى ومايو مع الشيوعيين بدأ في 31 مايو 1969 حينما اعلن عن دراسة تأسيس تنظيم سياسي واحد يضم كل المجموعات ذوات المصلحة في حماية وتأمين الثورة ثم أصدر النميرى الميثاق الوطني في 1 يونيو 1970 كحجر أساس للحزب السياسي الجديد. لم يقاطع الحزب الشيوعي لجان مناقشة الميثاق ورأى فيها بذور الجبهة الوطنية الديمقراطية. وتزامن هذا ورجوع الاستاذ عبد الخالق محجوب الى البلاد في يوليو 1970 وتنظيمه مؤتمراً استثنائياً للحزب الشيوعى خرج فيه منتصرا على من أسماهم بالعناصر اليمينية واعلن فى المؤتمر أن السودان يمر الآن بمرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية، ولا يمكن تمثيل كل القوى في حزب سياسي واحد، وبالتالي يجب أن يكون هناك نظام متعدد الأحزاب يمكن فيه للطبقة العاملة وحلفائها أن يمسكوا بالقيادة. وحيا المؤتمر النميري على إجراءاته الأخيرة بتأميم البنوك والمصالح الأجنبية ووضع خطة خمسية ـ ونادى بتوسيع المساحة الديمقراطية في القطاع العام والريف. تبع ذلك أن دخل محجوب في صراع لاستبعاد خصومه من المراكز القيادية. وتسارعت الاحداث وظهر الشقاق ولو بدرجات مختلفة فى مستويات عديدة بين الحزب الشيوعى ومايو وبدأ النميري هجماته المرتدة على الحزب وبشكل مباشر ثم استغل توزيع الشيوعيين لمنشورات تندد بزيارة رئيس زائير الديكتاتور موبوتو للخرطوم في فبراير 1971 كذريعة لحل المنظمات الجماهيرية التابعة للحزب الشيوعي. وأعلن في 25 مايو تأسيسه للاتحاد الاشتراكي السوداني، وشنت الشرطة حملة اعتقالات ضد الشيوعيين ونشر البروفسير الهاشمى الحامدى فى ترجمة مقال لصحفى فرنسى يدعى ألان غريش عن المواجهة التاريخية بين نميري والحزب الشيوعي بين عامي 1969 و1971م تم نشره بالعدد الحادي والعشرين من المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط والصادر في عام 1989م. الكاتب الفرنسى «ابن الشيوعي المصري الأشهر هنري كورييل» ويقول غريش انه فى يوم 18 نوفمبر، وبينما كان المكتب السياسي للحزب الشيوعي يستعد لحسم موقفه، أخبر عمر المكي المجتمعين بأن التغيير الوزاري لن يحدث، فجمد المكتب السياسي مطالبه. غير أن نميري أصدر قرارا في 28 نوفمبر أعلن فيه توليه لرئاسة مجلس الوزراء. وجاء ذلك الإعلان بصورة مفاجئة لم تترك للحزب الشيوعي فرصة فعل شيء إزاء تلك الخطوة في اتجاه اليمين، خاصة مع تزايد سيطرة الجيش على الحكومة، وقدرة المؤيدين للضباط الأحرار من أعضاء المكتب السياسي (رغم أنهم أقلية) على مواجهة استراتيجيات الأغلبية بسبب مواقعهم العليا في الحزب وفي الوزارة. ولم تنعقد اللجنة المركزية للحزب مرة أخرى بعد اجتماعها في أغسطس 1969 إلا في مارس من عام 1970م، حيث تم في ذلك الاجتماع تأجيل موعد اجتماع القيادة لحسم الصراع في الحزب إلى أغسطس 1970م ويعود الكاتب الفرنسى الى نقطة الخلاف حول تاسيس حزب لمايو فيقول انه فى 31 مايو1969م أعلن نميري أن تكوين تنظيم سياسي هو أمر مطروح على طاولة البحث، وهو ما اتخذ الحزب الشيوعى بشانه موقفا حذرا من ذلك الاتجاه وفي يوليو من عام 1970م عاد عبد الخالق للخرطوم بوساطة من جمال عبد الناصر، والذي كان على علاقة طيبة به. ورغم وضع عبد الخالق تحت الإقامة المنزلية الجبرية إلا أنه أفلح في عقد مؤتمر لكادر حزبه القيادي في يوم 21/8/1970م حضره 113 من الأعضاء البارزين، و32 عضوا من اللجنة المركزية، و17 من الكادر الدائم، و41 مندوبا منتخبا من 25 منطقة، و23 من ممثلي مكاتب اللجنة المركزية والشيوعيين العاملين بالمنظمات الشعبية. وكان ذلك الاجتماع اجتماعا حاسما انتصر لعبد الخالق على معارضيه. فقد أيد أكثر من 80% من الحاضرين النقاط التي دفع بها عبد الخالق، وأهمها أن السودان لا يمكن أن يقوده تنظيم واحد، حتى وإن كان ذلك التنظيم هو الحزب الشيوعي نفسه. وذكر عبد الخالق إن الحاجة الآن هي لنظام متعدد الأحزاب يمكن أن تلعب فيه الطبقة العاملة وحلفاؤها دورا قياديا. وهذا هو الشرط اللازم لبدء السير في طريق الاشتراكية.ورفض المجتمعون اقتراح نميري بإنشاء تنظيم جامع واحد، وأيدوا ما قدمه عبد الخالق من أُطْروحات ويقول الصحفى الفرنسى ان المواجهة التى كان لا مناص من وقوعها وقعت
الانقلاب ..نهارا جهارا :
عصر 19 يوليو 1971 ، وقع الانقلاب ، وقصة ما جرى من تحرك قاده الرائد هاشم العطا وكان قد احاله النميرى للتقاعد تكتمل بعض مشاهدها بريشة الاستاذ الصحفى سيد احمد خليفة ـ عليه رحمة الله ـ الذى كتب عن تلك الايام بالزميلة (الوطن) موثقا انه تلك (العصرية ) كان الانتظار لمعرفة ما حدث أو ما يحدث بعد أن أخذت الإذاعة والتلفزيون ترددان انتظروا بياناً هاماً.. ثم اعقبته بالتنبيه إلى أن البيان من الرائد هاشم العطا الذي أخذت صورته تظهر على شاشة التلفزيون..!.
عندها أدركنا أن الأمر جلل وخطير وأن المقدمة تنبئ بحدوث انقلاب عسكري ضد مايو ونميري..!. ويروى سيد احمد ان الرائد محمد محجوب سليمان قال عندما بدأ الرائد هاشم العطا عن إعلان هوية الانقلاب.. (ده انقلاب شيوعي مش هيستمر اسبوع..) وهى العبارة التى نُقلت في ذات اليوم أو الذي يليه للرائد هاشم العطا أو جهازه الاستخباري حيث وضع محمد محجوب سليمان على الرف و ظل معزولاً عن كافة الأنشطة والتحركات في الأيام التالية وحتى يوم العودة في 22 يوليو 1971م ويمضى الاستاذ خليفة ويروى ان البروفات والصفحات الداخلية لجريدة القوات المسلحة كانت قد اودعت المطبعة الحكومية بالمنطقة الصناعية قبل أن يتوجه للغداء بمنزله بالصحافة مربع 36..!. وهو ما حتم ان يتحرك عقب بيان الرائد هاشم العطا نحو المطبعة لمراجعة ملحق داخل العدد الصادر في اليوم التالي وهو 20 يوليو وهو ملحق يتحدث عن الانجاز في القطاع المصرفي، حيث كان دوره استجلاب الاعلانات الدعائية وكان على كتاب ومحرري الصحيفة بقية المواد التحريرية..!.ويقول واصفا انه وصل الى المطبعة الحكومية مع بداية غياب الشمس، ولم نجد بها اثراً للانقلاب.. فكل شيء كان عادياً مع أن الجميع بالمطبعة كان على علم بما حدث..!. مشيرا الى اشراف محمد محجوب سليمان بوصفه المسؤول التحريري عن صحيفة القوات المسلحة على تغيير الصفحات، واكتفى برصد كل ما صدر بعد الاعلان عن الانقلاب، كما أورد النص الكامل لخطاب الرائد هاشم العطاء وقدّمه بمانشيت هادئ جداً يقول: (الرائد هاشم العطا يعلن التغيير) ولم يقل محمد محجوب سليمان الثورة أو الانقلاب ، وكان من غرائب الأمور أن تواصل صدور الصحيفة يومي21 و22 يوليو، كما أن عدد 23 يوليو كان معداً ولم يصدر لأن التغيير والعودة ـ عودة نميري ـ كانت يوم 22 يوليو..!. ثم يمضى ليقول ( كنت وبحكم العمل مع المرحوم سعد الشيخ في وكالة اعلانات الخرطوم اساعده احياناً في العمل الخبري لصالح وكالة رويترز. انني وبهذه الصفة الصحفية تحركت صباح 22 يوليو وتوجهت إلى ساحة القصر لأغطي صحفياً الموكب العمالي والنقابي الضخم الذي دعا له اتحاد العمال لتأييد الانقلاب؛ حيث تقرر أن يخاطب ذلك الموكب الرائد هاشم العطا..!.) ويصف سيد احمد خليفة الموكب بانه كان بالفعل حشدا كبيراً. ولكن حدثت أمور صغيرة أحدثت قدراً كبيراً من التهويش إذ تجمع عدد لابأس به من معارضي انقلاب هاشم العطا ضد نميري وأخذوا يرددون شعارات مناوئة للانقلاب الجديد..!. ومع ذلك ووسط حشود جبّارة كان الحزب الشيوعي واتحاد العمال خبير في اعدادها واخراجها جاء الرائد هاشم العطا واعتلى منصة الخطابة وسط تصفيق وهتافات وترحيب وتأييد كبير..!. ويشير سيد احمد الى تمكنه من الصعود لمنصة الخطابة الوقوف خلف الرائد هاشم العطا، وكان هدفي المهني هو أن اتناول الخطاب فور فراغه من إلقائه وأن اظفر بسبق صحفي كبير لصالح وكالة رويترز التي بعثت البرقية تلو البرقية والتوجيه تلو التوجيه للحصول على تغطية كاملة لوقائع وتطورات انقلاب هاشم العطا الذي كان وسط اتون الحرب الباردة وصراع القوانين حيث كان وصول الحزب الشيوعي الى السلطة في اطار تحالف قومي في 25 مايو مصدر قلق للدوائر الغربية فما بالك بانقلاب شيوعي 100%..! وفور فراغ الرائد هاشم العطا ـ رحمه الله ـ من إلقاء خطابه ـ خطفت الخطاب ـ وغادرت المنصة، وبسرعة البرق كنت داخل مكاتب رويترز بعمارة ابو العلا القديمة بالسوق العربي..!كان استقبال المرحوم سعد الشيخ لي وأنا اعود بنص خطاب قائد الانقلاب هاشم العطا استقبالاً كبيراً حيث نفحني بعد الثناء والتقدير مبلغ عشرة جنيهات باعتبارها مكافأة أو حافزاً..!. وتمضى شهادة الاستاذ الكبير سيد احمد خليفة فيقول انه فى نحو الساعة الواحدة ظهراً وعقب الموكب واحداثه اعلن عن مؤتمر صحفي للرائد هاشم العطا بالقيادة العامة، ولكن سبق ذلك المؤتمر لقاء تشاوري باتحادات العمال والموظفين بذات المقر بالقيادة العامة..!. حيث تسلل الى اجتماع هاشم العطا مع النقابات والاتحادات حيث دار الحديث اجمالاً بين الطرفين عن كيفية دعم ومساندة النقابات للتغيير الذي تم بعد أن شرح الرائد هاشم العطا للنقابيين دواعي وأسباب الانقلاب والتي أجملها في أن نظام مايو انحرف عن خط الثورة.. وأن قوى رجعية حاولت سرقة الثورة، وهذا حتم لجمها ووضع حد لتراجعها ورجعيتها..! كانت القاعة في أوج هرجها ومرجها.. ونقاشها مع قائد انقلاب يوليو الرائد هاشم العطا عندما دخل أحد الضباط وهمس في أذن الرائد هاشم وبعدها اختفى الرجل قائد الانقلاب هاشم العطا، وتفرق الجميع بعدها على عجل إذ احسسنا بأن ثمة أمر ما يحدث خارج القاعة. وبعد دقائق سمعنا ونحن نحاول الخروج لنذهب من حيث اتينا ـ يقول سيد احمد ـ صوت رصاص.. طلقات دانات.. هدير مجنزرات.. وعندها اقترب الضرب من مكان وجودنا حيث أخذ كل منا »ساتر« وانبطح على الأرض.. أو اختبأ خلف دولاب.. أو تربيزة..!. ولكن القليل من القادة النقابيين استطاع الهرب من داخل القيادة العامة..!. وشهادة سيد حمد خليفة او هذا الجزء من سلسلة مقالات له منشورة توجز كل القصة والاحداث الخاصة بالانقلاب وقائد الانقلاب الشيوعى .
اللجنة تقر وتنكر
انهار الانقلاب وعاد نميرى ، وكتب العشرات الكتب والمقالات والشهادات ولكن الحزب الشيوعى ظل ساكتا لا ينطق حتى اصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني تقييم 19 يوليو 1971 وقدمت فيه ان التقرير تاخر وانها فى دوراتها الأولى عقب الانتفاضة، طرحت اللجنة المركزية واجب انجاز تقييم 19 يوليو ضمن الواجبات ذات الأسبقية قبل انعقاد المؤتمر الخامس. وانه عقب الفراغ من احتفالات العيد الأربعين، شرعت السكرتارية في تجميع وتلخيص وصياغة ما تراكم من مواد وما نشر في أدبيات الحزب خلال سنوات القهر المايوي، وصاغت مسودة التقييم وأفردت لمناقشتها اجتماعات متتالية: 26/1/89 و5/2/89 تبعتها اجتماعات أخرى بحضور من كلفوا بتركيز الصياغة النهائية حتى اجتماع 5/3/89، واكتمال التقييم في صيغته الحالية. مشيرة الى انه ولالقاء مزيد من الضوء على الشق العسكري وذيوله. كانت السكرتارية قد كونت لجنتين: لجنة من العسكريين المسرحين الذين شاركوا في 19 يوليو لتقييم كل الجوانب العملية العسكرية من فترة التحضير إلى نجاح الانقلاب ثم هزيمته، وتوسيع دائرة الاستماع لتقديرات كل المشاركين، واستكمال ما كتبه بعضهم من السجون ونشر كلياً أو جزئياً في أدبيات الحزب. ولجنة لتقصي الحقائق حول أحداث بيت الضيافة مواصلة لتجميع الشواهد والشهادات التي تعمدت السلطة المايوية التعتيم عليها. ولم تفلح أي من اللجنتين في إنجاز مهمتها حتى منتصف مارس 89 حسبما هو مثبت في محاضر السكرتارية ثم فى آخر دورة موسعة عقدتها اللجنة المركزية ? 13/4/89 ? قبل الانقلاب ? أخطرت السكرتارية الدورة أنها أنجزت تقييم 19 يوليو، وتبقى أن تنجز كل لجنة من اللجنتين مهمتها، التي تضيف إضاءة للتقييم، لكنها لا تمس جوهره. وحثت الدورة أعضاء اللجنتين، وكان بعضهم مشاركاً في الدورة، الإسراع في إنجاز المهمة، وأن يقدم التقييم في الدورة القادمة واعترفت اللجنة بان 19 يوليو انقلاب عسكري، نظمته وبادرت بتنفيذه مجموعة وطنية ديمقراطية ذات وزن وتاريخ من الضباط والصف والجنود الذين ارتبطوا بالحركة الثورية السودانية وتأثروا بها وشاركوا في نشاطها بقناعة ووعي قبل دخولهم صفوف الجيش وواصلوا ارتباطهم بها طيلة فترة حياتهم العسكرية ? بينهم أعضاء في الحزب الشيوعي، وبينهم ماركسيون دون التزام حزبي. وأغلبهم وطنيون ديمقراطيون.
السفارة الامريكية فى الخرطوم ..برقيات
ظلت كل السفارات الاجنبية فى تلكم الفترة قبل الانقلاب وبعده تتابع وترصد ما يحدث بالسودان وبتاريخ 26/11/1970، كتب السفير الامريكي في الخرطوم (حسب معلومات من مصادرنا الخاصة، هناك تساؤلات عما اذا كان نميري يريد، حقيقة، التخلص من الشيوعيين. قالت لنا هذه المصادر ان نميري، قبل قرار العزل، اجتمع مع مائة من كبار ضباط القوات المسلحة. وتساءل بعضهم اذا كان نميري يريد التخلص من الشيوعيين لاسباب عقائدية، او يريد حماية نفسه. ويرى السفير حسب البرقية صار واضحا ان نميري يلعب لعبة موازنة مع الجانبين الذين يعتمد عليهما: الشيوعيين، والعسكريين. وانه ربما يريد نميري الا يعتمد على الشيوعيين. وامس، قالت اخبار ان نميري سيعلن مصادرة شركة حامد الانصاري التي تشترك في تمويل الحزب الشيوعي. واما يوم الانقلاب فقد ابرق السفير نفسه
التاريخ: 19/7/1971
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: انقلاب عسكري
«في هذه اللحظة، تواجه حكومة نميري محاولة عسكرية لاسقاطها.
حسب معلوماتنا، في الثانية ظهرا، بدأ اطلاق النار في قيادة القوات العسكرية في الخرطوم. وبعد نصف ساعة، تحركت قوات من مناطق اخرى في العاصمة المثلثة نحو القيادة. ثم اغلق مطار الخرطوم، وبدأت اذاعة امدرمان تذيع موسيقى عسكرية، وتقول ان هاشم العطا، (الذي كان نميري عزله مع فاروق حمد الله وبابكر النور من مجلس قيادة الثورة) سيلقي بيانا هاما للشعب السوداني. واغلقت الكباري التي تربط العاصمة المثلثة، لكن استمر هدوء عام في شوارع الخرطوم، مع تجمعات لناس في الشوارع، يريدون ان يعرفوا ما حدث، ويتبادلون الاشاعات.حسب معلوماتنا، سافر نميري الى الجزيرة. ويزور بابكر عوض الله، وزير العدل، اروبا. ومع قادة القوات المسلحة، يزور خالد حسن عباس، وزير الدفاع، روسيا. ويعود اليوم من القاهرة زين العابدين عبد القادر، الرقيب العام. ومن الذين في الخرطوم هؤلاء: مامون عوض ابو زيد، وزير الدفاع بالانابة، ومدير جهاز الامن القومي، وابو القاسم محمد ابراهيم، وزير الداخلية، وايضا ابو القاسم هاشم، وزير الشباب …
حسب معلوماتنا من داخل القوات المسلحة ، يقود الانقلاب هاشم العطا، الشيوعي، ويتعاون معه فاروق حمد الله. وقال لنا مصدر آخر ان حمد الله في اروبا. وقال مصدر ثالث ان بابكر النور، الذي ايضا عزله نميري من مجلس قيادة الثورة، يشترك في الانقلاب. لكنه موجود في القاهرة (تعليق: كان في لندن) وقبل فترة قصيرة، قال لنا دبلوماسي في سفارتنا هنا انه شاهد ابو القاسم محمد ابراهيم يتجه نحو قيادة القوات المسلحة، بينما يستمر اطلاق النار. في وقت لاحق، علمنا ان زين العابدين عبد القادر اعتقل في مطار الخرطوم بمجرد ان وصلت طائرته من القاهرة نرى ان الوقت مبكر لتأكيد نجاح الانقلابيين، لكننا متأكدون انهم يسيطرون على الاذاعة الوطنية والوحيدة وفى اليوم التالى ابرق السفير نفسه برقية حوت تشكيل مجلس هاشم العطا الانقلابى مع تعليق اغلبية اعضاء المجلس (شيوعيون متعصبون)