كذابون .. ويتصدرون القافلة !!

صرت شديد الحساسية والريبة تجاه مصبات التعاطف التي تنشط في كل كفوة بهذه البلاد ، خاصة وتحديدا جماعة روابط خريجي كليات «الهتاف الوطني» عبر اسطر حلاقيم كتابة البيانات العريضة ، واحك منخاري وبعض قفاي ، حينما يطل ثعالب الوعظ الحقوقي بالذات ، ودعوني شد الله عزائم صبركم اروي لكم شهادة عين مني ، حادثة جرت أمامي ، لم ينقل لي او يروي حامل عنعنعة ، كان ذلك في الجولة العاشرة ، او ما قبلها او يليها ، من مفاوضات المنطقتين رفقة مسار دارفور ، جري هذا تحت لوامع كاشفات أنوار فندق «رديسون بلو » باديس أبابا ، في اليوم الاخير كانت المسافات بين وفدي الحكومة والمتمردين قد تقاربت ، تسربت عند الخامسة مساء انباء عن تدلي ثمار نضجت للقطف ، اعضاء الوساطة الافريقية دلت مرات خروجهم بوريقات وانتظام خطي الرئيس «أمبيكي» بنشاط في الممرات مخالفا نسق سيره الوئيد الخطي بفعل السن ، ورهق الكبر ، دلت كلها علي ان هناك حدثا سعيدا سيطل من بين شائكة المواقف ، اذكر أن اللواء جقود مكوار رئيس اركان الجيش الشعبي ، قد خرج بهاتف «ثريا» الي باحة خارجية توخي فيها الخلو من الفضوليين فاجري مكالمة طويلة بدت لي ساخنة لدرجة انه اخرج منديلا بحجم «بيرق» طفق يمسح به رقبته وجوانب وجهه مخالفا طقس المكان البارد !
اثناء هذا كان التوتر والجزع بينا علي محيا عشرات وعشرات من عتاة رموز من يسمون انفسهم رجال ونساء منظمات المجتمع المدني ، شعراء من صناع ذاك الشعر المتراص مثل طوب الكمائن مما يسمي «الكسار» ، سيدات مناهضات للنظام العام «هكذا عرفت احداهن نفسها لصحفي بوكالة المانية» وعجوز علمت انه قانوني عريق وثلاثة غيره يقولون انهم خبراء فض نزاعات ونطاسي لم اعرف تخصصه لكنه كان كثير الثناء علي «الشطة» في اطعمة شرق اثيوبيا فعن لي انه طبيب باطنية ! لاحقا انضم الي هؤلاء من وفد علي عجل من الخرطوم ، احدهم ظل يردد انه اتي من «المعتقل» الي مطار بولي للحاق باسناد الحركة الشعبية ومتمردي دارفور في حربهم ضد النظام اللئيم ! تجمع هؤلاء حينما لاحت ساعة الانفراجة تلك ، عقدوا اجتماعا في قاعة اعجب ما اعجبني فيها انها حملت اسم «عيزانا» ، حصروا «عرمان » في تلك القاعة ثم «مناوي» ، حينما خرجوا كانت لوامع الوجوه تنبئ عن موقف جديد دل عليه تصريح للامين العام لا يخرج عن نداء «ملك اكسوم» الذي إجتمعوا تحت ظل رمزية اسمه، فقال عرمان تصريحا مفاده «أنا ملك الملوك عيزانا ابن اليا و <اميدا مواطنط ملك آكسوم وحمير وريدان و البجة وكوش» .
تماما كما جاء في النقوش ! تحدث عن قضايا العموم والعوام واتي بالتوم هجو واسامة سعيد و«جقود» و«علي ترايو» واصطف خلفه رجالات المجتمع المدني فالرجل عيزانا والذي مثلما هبط بجيشه نحو مروي في حربه التاريخية لمحوها هبط عرمان بافكار ذاك الحشد فجرف التعنت متاريس حماية جولة التفاوض فانهارت وسط دهشة «امبيكي» الذي علمته عذابات النضال في جنوب افريقيا إحتمال المخازي فتجلد محتفظا ببعض لطف لا يفارقه في كل مناسبة لنعي جولة بين الفرقاء من السودانيين ، خرج الجميع ، احسست وقتها وعكس ما يظن الناس ان نقل خبر حزين عن انهيار فرصة للسلام تقل فيه الكلمات وتتقلص التعابير وتجف نضارة اللغة ، وظني كذلك ان اعضاء الوفد الحكومي كان عليهم حزن صادق ، عضو الوساطة الافريقية «بروفيسير باتي» كان شديد النحافة كان مغتما للغاية ، واظنها جولته الاخيرة لانه مات بعدها ، اظن المرارة قتلته !
في وسط هذا هل تصدقون ما رأيت ، كان فلان وفلان ، لهم في السودان ذيوع وصيت ومقام عظيم من قيادات نشاطات الحقوق وواجباته وهم سمر وعيونهم عسلية بين بروف ودكتور كانوا يتبادلون التهاني والبشر فواح منهم ، يتعانقون كاد احدهم ان يحمل «عرمان» علي اعناق الرجال كما فعل «المدريديون» بزين الدين زيدان في ليلة عرس للنادي الملكي ، فرح اولئك بانهيار سانحة للسلام وضربتهم الغبطة ، ولم يأبه اي منهم لمن ضربتهم الذلة والمسكنة من متأثري الحرب الذين كان يفترض باتفاق حول الاغاثة ونقلها ووقف لاطلاق النار ان يهبهم بعض قوت وكثير حياة لا رصاص فيها او مسغبة ، سادتي الكرام رأيت يومها من يفرح بمد اجل الحرب مثلما منهم من فرح بمد اجل العقوبات ومنذ تلك الليلة اتخذت عهدا امام نفسي الا احترم لاولئك الصنف من الناس موقفا ورأيا ، وان اقف ما حييت عكس ما يقفون ، كذابون ، كذابون .. ويعلمون أننا نعلم أنهم كذابون .. ومع ذلك فهم يكذبون بأعلى صوت .. ويتصدرون القافلة !!