ترجمات: لمــــاذا نقــــرأ الروايـــــة ؟!

بقلم: هيلويز ليريتيه
ترجمة عاطف الحاج سعيد
يرتفع عدد كبير من الأصوات لتأكيد «القدرة الكشفية» أو حتى «القوة الإدراكية والمعرفية» للأدب. الذي نبحث عنه في الروايات هو «التعرف بصورة أفضل» على الإنسان والعالم والحياة. يذكرنا تزفان تودوروف أن «الأدب هو أول العلوم الإنسانية» . يؤكد كل من جيرارد جينيت وجان ماري شافيير ورينير روشيلدز، كلٌ على طريقته، أن إسهام الرواية هو إسهام ذو نسق معرفي. يبحث المؤرخون عن «حقائق تاريخية» في الأدب. حتى العلوم الإدراكية تضع حجراً في هذا المعبد النظري: تحاول الاقتحام من جانب النقد الأدبي مسلحة بمعارفها عن آليات عمل العقل.
في غمرة هذا الفوران يبقى سؤال محير ويحدد الخط الفاصل بين مختصي الأدب وعلماء الاجتماع والمؤرخين ومختصي العلوم الإدراكية: أي نوع محدد من المعرفة يمكن للرواية أن تحمله؟ بالطبع يمكن للرواية أن تعيد بناء علم تاريخي وأن تفك طلاسم العلاقات الاجتماعية أو اطلاعنا بصورة صادمة على سيكولوجية الإنسان. لكن من وجهة النظر هذي فإن ليس للرواية أية تفرد مقارنة بالعلوم الإنسانية والمقالات أو السينما. لذلك يجب التمييز بين محتوى المعارف التي يحملها نص ما والخيال الذي يبسطه. إن حصر جول فيرن في دور من قام بإشاعة المعارف العلمية في العصر الذي عاش فيه يعني الابتعاد كثيراً عن الأسباب التي تدفع المراهقين دائماً للإعجاب بأحلام الكابتن «نيمو» ويعني تجاهل انطلاق المشاعر الأكثر عاديةً التي نسقها جول فيرن بحيث يتحقق أقصى ما يمكن من التأثير في روايته «عشرون ألف فرسخاً تحت البحار» التي نشرت في العام «1870»: الرغبة في السلطة، الغلو، بغض الجنس البشري…
كذلك تمثل رواية «الغريب ـــ البيرت كامو 1942» في بعض مناحيها ملخصاً للثيمات الكبرى للفلسفة الوجودية: العزلة، الموت، الآخر، العبث. لكن كما لاحظ رونالد بارت :» إن ما يجعل من الغريب رواية وليس أطروحة علمية هو أن الإنسان فيها مزود، ليس فقط بالأخلاق، لكن بالمزاج أيضا».
يمكن أن نقول بالضبط ذات الشيء عن روايات ميشيل هويلبيك الذي يطلعنا على نفسية المحب أو السياحة الجماهيرية لكن قيمتها الجوهرية تبقى في الأجواء الفريدة التي تستخلص منها. أجواء عالم يرقد على ورق أو مزاج شخصية مخترعة: نحس بداهةً أن كلمات الكاتب تقول «شيئاً ما» متفرد عن عصرنا وعن ذواتنا. تثري الرواية قدرتنا اللغوية وفهمنا للواقع ذلك لان نصها صنع من أحلام وكلمات وليس من وقائع وأفكار.
حيوات بالوكالة
من جانبها تهتم الفلسفة الأخلاقية بالدور التربوي للرواية. تصر مارثا نوسبوم «Martha Nussbaum» أشهر ممثلي الفلسفة الأخلاقية على قدرة الرواية في تعيين ما فشلت الفلسفة في تعيينه وإظهاره. يكمن عمل الروائي في رؤية العالم ويكمن عمل القارئ في أن يقوم باستعارة عين الراوي. تسمح القصة الخيالية، في هذا الصدد، للقارئ أن يتقمص شخصية مُخْبِر أو عاشق أو ديكتاتور أو يتيم. تجعلنا الرواية نعيش، نوعاً ما، حيوات أخرى بالوكالة. بهذا المعنى، تعمل القصة الخيالية كمكاثر للتجارب منذ الطفولة، وتضعنا بذلك في اتصال مع تعقيدات حيواتنا الشخصية و حيوات الآخرين.
من جانبه يتحدث الفرنسي ميشيل بيكارد في كتابه «القراءة بوصفها لعبةً» الصادر في العام «Minuit 1986» عن « بناء نماذج بواسطة تجربة الواقع المتخيل» . يجرب القارئ، بدرجة ما، حالات ليس بمقدوره أن يعيشها في الواقع. يمكنه أن يختار بعض الحالات وأن يرفض حالات أخرى وان يُحَصّل فوائد هذه التجارب دون أن يتعرض لمخاطر حقيقية. نجد أن أحد الأبعاد الأكثر إدهاشا في قراءة رواية ما يكمن في وظيفتها التخاطرية «التلباثية». كل قارئ، عندما يكون منهمكاً في قراءة رواية، يفاجأ بأنه ينطق بأفكار داخل عقله هي ليست بأفكاره.  عندما أتقدم في قراءة رواية «مذكرات هادريان» للكاتبة مارقريت يورسنار «1951» فأنا أقوم بتبني ضمير المتكلم «أنا» الذي يحكي داخل النص. أجد نفسي متقمصاً شخصية إمبراطور روماني في أخر حياته. يفسر تقمص الآخر هذا الحميمية الاستثنائية التي نحسها تجاه بعض الشخصيات. نشعر بأن هذه الشخصيات تعيش وتتكلم وتؤثر فينا. هذه التجربة الخاصة التي هي مزعجة في بعض المرات و مبهجة في مرات أخرى لا يمكن لأي فيلم أن يعيد إنتاجها. ولذا نستوعب لما يظهر أن تحويل الروايات إلى أفلام سينمائية دائماً محبط جداً…
القراءة التي هي عملية إدراكية يمكن أن يُعاد اكتشافها أيضا كعملية انفعالية لها قدرة عالية جداً. كل رواية تخاطب ذكاءنا وأيضا قلبنا. بعد امبرتو ايكو الذي قارن قراءة الرواية بلعبة الشطرنج، استعاد م. بيكارد هذه الصورة ليثريها أكثر. وفقاً لما يرى بيكارد، تُزَاوِج قراءة رواية ما بين نشاطين مختلفين: ال «game» و «playing». إن ال «game»، كما هو الحال في لعبة الشطرنج، يتجذر في العقل فهو لعبة التفكير التي تستدعي ذكاءنا وقدرتنا على التوافق وحاستنا الإستراتيجية. بينما يتجذر ال «playing» في المتخيل فهو يتعلق بتمثيل الأدوار الذي يؤسس على التماهي مع شخصية متخيلة. فمن جانب ينسرب القارئ داخل الشخصية، يسافر عبر الزمن ويعيش حبكات نابضة بالحياة، يقوم القارئ من جانب أخر بوضع فرضيات حول بقية القصة ويحتفظ بروح نقدية. فضيلة هذا النموذج تكمن في انها ترد الاعتبار « للرحلة الخيالية» التي تقدمها كل قصة سردية دون إهمال البعد التفكيري للقراءة.
العودة إلى المتعة
في ذات الاتجاه يُساءل بعض منظري الأدب فكرة الانفعال والمتعة والهروب. ذلك لأن الغالبية العظمى من القراء يؤكدون بأنهم يقرأون الروايات في المقام الأول بغرض الهروب والتسلية أكثر من قراءتها بغرض التفكير واكتساب معارف. هذه المسألة البديهية التي استهانت بها نظرية الأدب تبدو من جديد واعدة وبصورة جدية. يقترح فانسن جوف المنظر الأدبي ومؤلف كتاب «أثر الشخصية في الرواية» بأن توضع الشخصية في قلب عملية الاتصال الأدبي. فهو يرى في التماهي مع الشخصيات أساس الإحساس الأدبي.
يمكن أن نذهب أبعد من ذلك ونؤكد أن الأحاسيس التي تستشعر والأحلام التي تصاغ أثناء القراءة لها تأثير ليس فقط على التفسير الذي نقدمه للرواية لكن لها تأثير كذلك على وجودنا الشخصي. لا يطابق القارئ ضرورة بين أفعاله وأفعال الشخصيات «أن تحب ساد لا يعني أن تصير سادياً وكذلك إن دراسة ميكيافل لا تجعل الدارس ميكيافلي»، لكن يمكن أن ينقل لحياته أمزجة وقلق وصيغ مستلفة من روايته المفضلة. ان جملة داندي أوسكار وايلد عن شخصية من شخصيات بلزاك ظلت مشهورة :» أن موت لوسيان روبامبريه هو أكبر مأساة في حياتي». ماركو فارقاس المؤلف المعاصر يؤكد على طريقته :»ان مجموعة من الشخصيات الأدبية أثرت في حياتي بصورة اكثر استمراراً من جزء كبير من كائنات من جلد وعظم عرفتها». نعرف أن مؤلف « Werther « 1774 لجوته دفع مراهقين للانتحار وأن هولييز الجديدة لجان جاك روسو 1761 غيرت التوازن العاطفي لعدد من الأجيال.
تأكيد الذات أم مواجهة الذات؟
ما الذي نبحث عنه في تجربة قراءة الرواية التي يمكن أن تبدو مقلقة؟ وما الذي نخشى منه؟ سنعود هنا إلى التعددية التي هي أساس الجنس الروائي: كل شيء يعتمد على الرواية المنتقاة. تكمن قدرة الروايات الأكثر مبيعاً best-sellers في أنها تقدم لنا شخصيات تشبهنا. قيمهم هي قيمنا، آلامهم تخاطبنا ذلك لانها نمطية. تدعم هذه الروايات القارئ في معتقداته وفيما يتوقعه. فهذه آلية معروفة جداً في علم النفس الاجتماعي: لأن الآخر يشبهني فهو يطمئنني. ها أنا محمي ومطمئن بواسطة شخصية الرواية التي سأتعلق بها في المقابل. على عكس ذلك تجعلنا بعض الروايات الأكثر طموحاً في مواجهة غيرية جذرية. مثال لذلك رواية الأبله لفيدور دوستويفسكي 1868 ورواية لوليتا لفلاديمير ناباكوف 1955 وكذلك رواية رفيقات ل جوناثان ليتل. إن أهميتها لا تأتي من الذي نتعرف عليه فيها فيما يتعلق بنا لكن من الذي هو محتمل أن نتعلمه من جانبنا المظلم. في الحالة الأولى يبحث القارئ عن تأكيد الذات بينما في الحالة الثانية يكون في مواجهة الذات. وفي كل الأحوال، كما يلحظ ف. جوف : « إن الآخر في النص، سواء أن كان يتعلق بالراوي أو بالشخصية، يحيلنا دوماً، عن طريق الانعكاس، إلى صورة ذواتنا» .

أجزاء متفرقة من مقال نشر بمجلة «العلوم الإنسانية» التي تصدر بالفرنسية في باريس العدد 218