الحنين والنص

زوايا : عماد البليك

شكّل الحنين والاشتياق واحداً من دوافع الكتابة الأدبية منذ أقدم العصور، وإلى الحياة المعاصرة، ففي الشعر الجاهلي نجد أن الشاعر كان يقف عند قبر الحبيب، أو الأطلال، وهو محمول بالوجد لكي يكتب قصيدته المنتظرة، أو ينشدها، فالوقوف عند الطلل ما هو إلا تلك الخاصية المشبعة بالحنين إلى ذلك المكان الذي كان يقطنه المعشوق ذات يوم مضى، لكن الحضور يتم من جديد عبر كيمياء الشعر بقدرتها على الإحياء وسبر أغوار الذاكرة لاستنطاق الأمس مجددا.
وفي الأدب الحديث، ثمة العديد من الأعمال الأدبية التي كتبت بدافع الحنين للديار، ولكن دون الوقوف عندها مباشرة، إنما من على البعد، حيث يمكن التمييز هنا بين نوعين من الحنين. الأول يقوم على الوقوف المباشر على الموقع الذي تحول إلى أثر أو طلل، كما في نموذج الشعر الجاهلي، والثاني يقوم على الوقوف من على البعد عبر الذاكرة والاستحضار الذهني والأشواق، كما في الروايات الحديثة.
وبمراجعة نشأة الرواية العربية منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إلى منتصفه، سوف نلحظ أن العديد من الأعمال الروائية كتبت بدافع الحنين، حيث كتبها طلبة أو مهاجرون عاشوا بعيدا عن الأهل والديار، كانوا مدفوعين بشوق انعكس في شكل نصوص أدبية، كما في تجربة «زينب» التي يعتبرها أغلب المؤرخين الأدبيين على أنها أول رواية عربية، وقد كتب محمد حسين هيكل تلك الرواية التي نشرت لأول مرة سنة 1914 بالقاهرة، وهو طالب يدرس في باريس، وكان يحمل الأشواق الكبيرة إلى الديار والقرية المصرية – بالتحديد – التي جاء منها، وعمل على إعادة استحضار المكان في ذاكرته وعبّر عن ذلك في نص أدبي، كسب شهرته بوصفه النص التأسيسي للرواية العربية الحديثة.
الغريب أن هذه الرواية لم يكتب فيها هيكل اسمه مباشرة في البداية، حيث كتب توقيع «فلاح مصري»، لسببين الأول أن فن الرواية كان ينظر إليه بشيء من الوضاعة وأنه لا يضاهي الشعر، والسبب الثاني أن الرواية تضمنت قصة حب وربما كان ذلك فيه من العيب في تلك الآونة المبكرة.
وتيار الحنين ظل موجودا إلى اليوم، وعبره كتبت روايات خالدة مثل «موسم الهجرة إلى الشمال» رائعة الطيب صالح التي نشرت لأول مرة في 1966 وخلدت للعلاقة بين الشرق والغرب، في عمل عنيف ودرامي يحمل طابع الاشتياق المغمور والممتزج بدم الزنوجة الحار. كما يمكن الإشارة لرواية «الحي اللاتيني» لسهيل إدريس، ورواية «قنديل أم هاشم» ليحي حقي.