عينك في الضل تقطع شجرته ؟ (3)

479مكتب الدكتور نصر الدين شلقامي القنصل الفخري لجمهورية سلوفاكيا والناشط في مجال البيئة يقع في شارع البرلمان وبالقرب منه حديقة القصر . وذات يوم جاءه صاحب الكفتيريا وهو يكاد لا يحبس أنفاسه:
-ألحق يا دكتور .. الجماعة جوا بكراكاتهم عشان يقطعوا الحديقة وأدونا اسبوعين عشان نلملم حاجاتنا ونخلي المكان.
الجماعة هم هيئة تجميل العاصمة أو اسم من هذا القبيل . واتصل بي الدكتور نصر الدين وهرعنا لنرى الحكاية شنو.. وفعلاً جاءوا بآلياتهم الثقيلة ليجتزوا تلك الحديقة فقمنا بإتصالات سريعة بالوالي وبعدد  من المسؤولين وكتبت مناشدة لرئيس الجمهورية أقول فيها :
صدر قرار من معتمدية الخرطوم بإزالة الحديقة التي تقع جنوب القصر بالقرب من المعروضات المصرية. وقد كان السبب الذي دعا من هم في موضع القرار لاتخاذه والشروع في تنفيذه هو أن تلك الحديقة تقع ضمن أملاك الأوقاف التي تضم المباني التي من ضمنها المعروضات المصرية وما جاورها. وقد بيعت الأرض إلى بنك التنمية الإسلامي ومقره مدينة جدة لتقيم إدارة البنك برجاً مع إزالةالحديقة لتصير موقفاً للعربات.
فأصدر رئيس الجمهورية قراراً بإيقاف ذلك الفعل وظلت الحديقة قائمة بأشجارها وكائناتها التي تسبح بحمد ربها مما كان له أعظم الأثر في نفوس جميع العاملين في مجال البيئة والمواطنين عامة. هذا والحديقة تضم شجرة عرديب زرعها ونجت باشا وجلس تحتها عام 1910 الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت وعقيلته وهو أول وآخر رئيس أمريكي يزور السودان . ومن محاسن ذلك القرار الحاسم  أن تلك الشجرة لازالت قائمة إلى كتابة هذه السطور.
ثم واجهتنا مشكلة غابة السنط بعد أن لاحظنا بكثير من الاشفاق أن بعض المشاريع الإستثمارية لا تعطي إعتباراً لمتطلبات المحافظة على البيئات الطبيعة وحمايتها وعدم التغول عليها. ومن هذه المشاريع مشروع السنط الذي يدخل ضمن تصميماته شق طريق وسط غابة السنط بالنيل الأبيض واقتطاع  20 بالمائة منها لأغراض ترفيهية كإقامة ميادين للجولف مثلاً. وبالطبع نحن لسنا ضد الإستثمار والتنمية العمرانية في أي مكان من السودان ولكننا كنا نرى أن يتم ذلك بتناغم تام بين دواعي التنمية الاقتصادية وبين الموازنة الدقيقة لمتطلبات المحافظة على البيئة. ولا يمكن أن تقوم نهضة اقتصادية مهما كان عائدها على بيئة حيوية متصدعة. وإجراء التوازن الأمثل بين الحاجة للتنمية الإقتصادية متمثلة في الإستثمار وبين المتطلبات البيئية يحتم المواءمة بين الآراء المختلفة واستنباط أمثل الإستخدامات للموارد المتاحة : المادية منها والطبيعية. وكنا نرى أن تقوم استراتيجية الإستثمار على إحتواء المعالم الطبيعية كجزء مكمل لها لا كجزء متنافر لا يتم الإستثمار إلا بالقضاء على المكون الطبيعي. إن غابة السنط معلم وحقيقة إيكولوجية تمثل جزءاً مهماً من حلقات الترابط البيئي والتراث الطبيعي الإنساني وهي محمية بنص القوانين الدولية الملزمة أخلاقياً ومعنوياً والموقعة عليها حكومة السودان في بروتوكولاتها الدولية. إن إزالة الغابة بالصورة المقترحة يمثل نكسة ونكوصاً شنيعاً عن كل إلتزاماتنا القانونية والأخلاقية والتسبب في أضرار بيئية بالغة الخطورة. إنه من السهل إزالة غابة السنط ولكن ليس من السهل إعادتها مرة أخرى بينما يمكن تعديل التصميمات الهندسية عشرات المرات دون أضرار تذكر لأن ذلك نشاط بشري قابل للتعديل أما الغابة فهي هبه ربانية نحن مستخلفون ومطالبون بالمحافظة عليها. وهي موطن لعدد لا يحصى من الكائنات الحية ليس لنا الحق في التصرف في مصائرها. الله وحده هو الذي يحكم بزوالها أو بقائها.
وستظل غابة السنط في خطر ما لم يصدر قرار واضح بشأنها فالعيون والجرارات لازالت متربصة ومتلمظة.
(نواصل)
آخر الكلام:
دل على وعيك البيئي.. لا تقطع شجرة ولا تقبل ولا تشتر ولا تهد هدية مصنوعة من جلد النمر أو التمساح أو الورل أو الأصلة أو سن الفيل وليكن شعارك الحياة لنا ولسوانا.   ولكي تحافظ على تلك الحياة الغالية لا تتكلم في الموبايل وأنت تقود السيارة أو تعبر الشارع وأغلقه في المسجد.