جنسيات مزدوجة وتهانئ للوزراء!

لا أعرف من أين جاءنا هذا الحبيب. اسمه: نزار عوض. في البداية ظننته ابن عمي نزار عوض عبد المجيد، الذي كان ناشراً وكاتباً صحافياً مثيراً للجدل في تسعينيات القرن الماضي. ولكنني استبعدت ذلك على الفور، لأنني أعرف عن قريبي هذا انه رجل رزين وحنين، وأنه يحبني. ولا يمكن، والحال كذلك، ان يكتب مقالاً يطالب فيه بمنع ابن عمه من الترشح لمنصب رئيس الجمهورية وحرمانه من تولى المناصب الوزارية التي ظل  يتطلع  اليها طوال حياته!
ولكنني بعد التدقيق والتحري عرفت ان الاسم لشخص آخ لحقت باسمه صفة «مستشار قانوني». لا بأس، يخلق من اسم نزار عوض أربعين!
أما نزار عوض المستشار فهوالذي كتب مقالا نشرته صحيفة «السوداني» بعنوان: «مزدوجو الجنسية وتولي المناصب العامة».
أخذ الكاتب المستشار على المشرع السوداني وعاب عليه أنه ظل صامتاً، ولم يصدر تشريعاً يحظر على متعددي الجنسية الترشح للرئاسة او تقلد الوزارة. ونادى بمنع هؤلاء من تولي المناصب الدستورية والسيادية، ثم اضاف «والوظائف الرفيعة في الدولة».
هذا كله هين. المصيبة التي هالتني وافزعتني واطارت النوم من عيني هي انه كتب بعد ذلك: «ان بعض الدول اعتبرت المتمتع بالجنسيتين خائناً»! يادي النيلة. خائن عديل كدة؟
عموماً كانت هذه فرصة طيبة لأتبيّن للمرة الاولى معني التعبير الاستفهامي الذي لم أكن ادرك معناه ومغزاه قبلاً، والذي ظللت أسمعه كثيراً في اوساط السودانيين داخل مجموعات الواتساب: «انت معانا ولا مع الخيانة»؟
الغريب أنه لا يكفي عند حبيبنا نزار المستشار ان يتنازل صاحب الجنسية المزدوجة المتطلع للمنصب عن الجنسية المكتسبة ليترشح للرئاسة، او يتولى الموقع الرفيع في السودان. بل أنه يقترح قيودا جديدة ينبغي بمقتضاها ان يقضي بعد التنازل فترة زمنية قد تصل لسنوات «يثبت خلالها قدرته الوطنية»، هكذا كتب. ويُطلق على هذه الفترة بحسب كلماته: «الحضانة الوطنية». شوف بالله! يعني نطلع من الخيانة وندخل الحضانة!
لست واثقاً من قدرتي على اقناع سيادة المستشار بالتخلي عن هذه الدعوة التي خرج بها علينا، نحن معشر المهاجرين «المزدوجين»، من حيث لم نحتسب. ولكن لي أنا ايضا، بصفتي مزدوجاً، دعوتي المضادة. وجوهرها هو أنه اذا كان قد كُتب علينا أن ندخل «الحضانة» فلندخلها كلنا إذن، فنتعلم الوطنية معاً، وفق أصولها، على يد أبلة ظاظا!
واذا كان مطلوباً من أي فئة ان تثبت وطنيتها، فلا بد ان ينطبق ذلك على الجميع: من هم داخل الوطن من اصحاب الجنسية السودانية المفردة، ومن هم خارجه من اصحاب الجنسية المزدوجة!
سؤال برئ: من قال ان «وطنية» اهل الداخل افضل من  «وطنية» أهل الخارج؟ لقد تركنا السودان لأحبابنا في الداخل عشرة، وعشرين، وثلاثين عاماً، فماذا كانت النتيجة؟ هل هناك في المشهد السوداني كله شئ واحد يدلنا على ان وطنية المقيمين في حمى الوطن أعلى في النوع والدرجة والمقدار من وطنية المهاجرين؟ بأمارة ايه؟!
ربما فات على حبيبنا المستشار نزار أن الحصول على جنسيات الدول الغربية في القارتين الامريكية والاوربية لا علاقة له بالهوية والانتماء والثقافة والعقيدة من قريب او بعيد. اكتساب جنسية تلك البلدان يرتبط بفكرة واحدة فقط لا غير، وهي «الحقوق والواجبات».
الدولة هناك هي دولة المواطنة. في هولندا انتخبت إمرأة صومالية وأصبحت عضواً في البرلمان الاتحادي الهولندي بعد ثلاث سنوات فقط من حصولها على الجنسية. ثم بعد عام واحد اصبحت وزير دولة في الحكومة الهولندية!
وفي الولايات المتحدة وكندا إذا اظهرت ميلاً وعزيمة نحو ابراز وتعظيم هوية بلدك الاصل، حيث جذورك الوطنية وهويتك الثقافية، فإن الدولة تشجعك وتمنحك مساعدات مادية وغير مادية فوق التصور. هناك يتم تعريف الناس بحسب أصولهم العرقية والثقافية والوطنية فيقال: «السودانيون الامريكيون»، و«اليونانيون الامريكيون»، و«الفيتناميون الامريكيون» وهلم جرا.
هويتك ووطنيتك الاصلية عندهم محل إعزاز وتقدير. لكأنهم يقولون، كما أهل المحروسة: «السوداني اللي مالوش خير في السودان، مالوش خير في أمريكا»!
باركها يا نزار يا مستشار. استهدْ بالله، وصلِّ على النبي. ثم اسمع مني: بلا «فترة حضانة وطنية» بلا بطيخ. هو نحن ناقصين خزعبلات؟!
وزارات تجرجر أذيالها
على سيرة الاحباب المستشارين القانونيين، أطال الله أعمارهم، قرأت في احدى صحف الخرطوم اعلانا بارزا منشورا على مساحة وهيطة. الاعلان يتضمن تهنئة من احد المستشارين القانونيين للسيد وزير العدل الجديد بمناسبة اختياره للمنصب وتوليه إياه.
جاء في مقدمة تهنئة السيد المستشار لزميله السابق وزير العدل الجديد: «أتتك وزارة العدل منقادة اليك تجر أذيالها / فلم تك تصلح ألا لمعاليكم ولم يكن يصلح لها الا شخصكم».
أسفت غاية الاسف للابتلاء الذي أصاب أبيات أبى العتاهية في مدح الخليفة المهدي. ولكن عجبني كان اكبر عند قراءتي للنص الكامل للتهنئة.
كتب المستشار القانوني صاحب التهنئة ان السيد رئيس الجمهورية «عندما نثر كنانته ثم عجم عيدانها وجد معاليكم أعمقها فهما واكثرها دراية بشئون هذه الوزارة». وكأنما يريد الرجل ان يذكر الناس بالمقالات العديدة التي كتبها بعض القانونيين واشاروا فيها الى ان الوزير الجديد غادر البلاد عند تخرجه من جامعة الخرطوم ولم يعد اليها قط على مدى جاوز العقدين من الزمان، إذ كانت جميع سنوات عمله وخبراته خارج السودان، وان صلته بالشئون والقضايا القانونية المطروحة وطبيعة الاداء في الاجهزة القانونية داخل السودان خلال العقود الماضية محدودة للغاية.
أساسا ما هو الداعي الى نشر التهانئ في الصحف؟ الافتراض ان الوزارة وجميع المناصب العامة تكليف لا تشريف، وانما هي أعمال تؤدى ويُحاسب المكلفون على جودة أدائهم او رداءته.
ولكن اذا كان نشر التهانئ للوزراء في الصحف أمرا لازما وحتميا لا يمكن الاستغناء عنه عند البعض، فنصيحتي لهم هي التركيز على التأني والتدقيق في المعاني والصياغات قبل النشر. إذ لا يعقل أبدا ان نورد في مقام تهنئة احبابنا واصدقائنا من الوزراء أشياء تكشف نقاط ضعفهم وتسلط عليها الضوء وتثير التساؤلات حول صلاحية الوزير للمنصب فنكون وبالا عليهم من حيث اردنا لهم الخير والفلاح!
من شعر العرب
أتته الخلافة منقادةٌ اليه تجرّر أذيالها/ ولم تكُ تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها / ولو رامها أحد غيره لزلزلت الأرض زلزالها»
القاسم بن سويد الشهير بأبي العتاهية