التلاعب بميدان عقرب

في اطار الهجوم الذي ما انفكت السلطات تشنه على الميادين والفسحات والمتنفسات الشعبية ، والدليل « الحتات كلها باعوها » كما قال والي الخرطوم الحالي ، كانت قد ترددت أنباء سابقة عن عزم هذه السلطات الهجوم على ميدان عقرب الشهير والعريق بمدينة الخرطوم بحري و نزعه لتسليمه للمحلية لتقيم على مساحته مشاريع استثمارية ، واليوم يتكرر ذات العزم ولكن هذه المرة بدعوى نقل سوق سعد قشرة اليه « بصفة مؤقتة » ،دون أي اعتبار لعراقة هذا الميدان ورمزيته وتاريخه الضارب في القدم، هذا غير أهميته كمتنفس للسكان وساحة مهمة لممارسة الرياضة والأنشطة الاجتماعية والترويحية الأخرى ،فتاريخ هذا الميدان يقول انه يعود الى العام 1921م وترجع تسميته بميدان عقرب الى مباراة في كرة القدم كانت قد أقيمت على هذا الملعب في ذاك العام بتدبير وترتيب من المفتش الانجليزي الذي كان يدير منطقة بحري،وجرت تلك المباراة بين فريق «الشبان» الذي أسسه الجيش الانجليزي وكان قوامه من الشباب السوداني،ومما يجدر ذكره بهذه المناسبة أن كرة القدم دخلت السودان مع دخول الاستعمار البريطاني بداية بمدينة عطبرة التي شهدت أول نشاط كروي،وبين فريق انجليزي استقدمه المفتش الانجليزي من مدينة «Scorpio» الإنجليزية والكلمة تعني العقرب بالعربية لأداء عدد من المباريات بالسودان، وكان أن إلتقى الفريقان في ملعب «عقرب الحالي» الذي لم يكن يحمل هذا الاسم وكانت تحيط به اشجار المسكيت من نواحيه الأربعة..وكان أن انتهت تلك المبارة بفوز فريق الشبان السوداني على الفريق الانجليزي الزائر، وعند نهاية المباراة تبادل اللاعبون قمصانهم للإحتفاظ بها كتذكار ،وكانت قمصان الفريق الزائر عليها صورة كبيرة للعقرب..ومن تلك المباراة قرر لاعبو فريق الشباب الإستفادة من تلك القمصان التي عليها صورة العقرب وتبعا لذلك غيروا اسم فريقهم الى فريق«عقرب»الذي استمر بهذا الاسم الى أن تم حله وتسريح لاعبيه من قبل السلطة الإنجليزية إبان الحرب العالمية الثانية لأسباب تتعلق بالحرب، وكان من بين لاعبيه وقتها الملازم مرسال الجاك وعبد الله ادريس ومحمد حسن شعروت وعمر بنداس وآخرون…ومن بعد ورغم اعادة تخطيط الحي الذي يحمل اسم «الديوم» الان الا أن ملعب عقرب احتفظ بمساحته واسمه الى يوم أهل السودان هذا …
هذا الميدان بكل تاريخه وعراقته التي وقفنا عليها ورمزيته التي جعلت منه أحد أهم معالم مدينة بحري حتى صار جزءا من تاريخها الماضي والحاضر،ظل تحت التهديد بالزوال باستمرار ، لصالح منشآت عقارية أسمنتية مهما كان عائدها الاستثماري المدعى،فلن يسوى شيئا اذا ما قورن بما قدمه وما يقدمه هذا الميدان الشعبي ليس لإنسان بحري فحسب بل لكثير ممن يرتادونه من شتى بقاع العاصمة كساحة عامة مفتوحة للترويح والتريض،ولكنها العقلية التي لا تعرف كيف تستثمر في الانسان باعتباره رأس التنمية ومناطها الأول،انها عقلية أكسح وأمسح وأحفر وأدفن التي تريد الان أن تدفن هذا الميدان العريق ..…