ثم جات المعزية تشخر

تناولت في مقالي ليوم أمس اساطير راجت هنا وهناك في بلادنا عن بشر أسوياء ينقلبون ليلا إلى سحاحير، وكائنات مرعبة كانت تعيش في حقول الذرة في شمال السودان النوبي وتقوم بشفط أمخاخ الناس عبر أنوفهم حتى يموتوا، وعن جماعة من غرب أفريقيا ظهرت في عاصمتنا قبل سنوات، كانوا يمدون أيديهم لمصافحة من يلتقون بهم من رجال وبذلك قاموا بتجريد كل من صافحهم من أدوات الذكورة، وقلت إنه وبرغم تداول حكايات مزعجة ومرعبة استنادا الى تلك الأساطير إلا أن مروجيها (وقد يبلغ عددهم مئات الآلاف أو الملايين )، لا يأتون بدليل ملموس يمكن تقصي صحته ودقته، عن أن زيدا او عبيدا المعروف لدى الكثيرين كان من بين الضحايا
وقد يُعزى انتشار الخرافات/ الأساطير / الأباطيل في الأرياف لقلة الوعي المعرفي، ولكن ما هو حادث في السنوات الأخيرة، هو أنه وبرغم التحضر الناجم عن نجاح المشروع الحضاري، فإن أكثر الأساطير الحضرية urban legends سخفا هي التي تنطلق من عاصمتنا شبه المنحرفة (أقصد أن تشكيلها وتكوينها لم يعد مثلثا، بل ذلك الشكل الهندسي المسمى «شبه منحرف»/ trapezium ويتألف من أضلاع أربعة غير متساوية ، إذا كانت الذاكرة لم تضللني حول أمر درسته في المرحلة الثانوية على يد عمر حسن مدثر الشهير بعمر ماس/ ماث )
ثم توالت خلال الأسابيع القليلة الماضية، قصص الخطف / الاختفاء، ثم الجزم بأن جماعات الجريمة المنظمة تقوم ببيع أعضاء المخطوفين لمرضى يحتاجون إليها، وكل تلك الحوادث تقريبا في عاصمتنا، وعاش الناس في السودان في هلع حقيقي، ولولا أن مكالمات واتساب وفايبروآيمو مجانية لأفلس آلاف المغتربين وهم يتصلون بذويهم على رأس كل ساعة: أوع فاطمة تمشي المدرسة .. ما ترسلوا مازن الى الدكان .. قولوا لزيزي ما عندك دخل بزواج شوشو أو طلاقها، وما تطلع من البيت إلا مع عز الدين.
المشكلة في حكايات الخطف وسرقة الأعضاء كمُنت في أن بعضها معزز بالأسماء والصور، وبالتالي كان من السهل تصديق أن تلك الحوادث تجري على نطاق واسع، خاصة وأن كمية البهارات المضافة إليها كانت عالية: أشخاص عيونهم خضراء وصينيون وسوريون، وتوصيف للمركبات التي استخدمت في الخطف.
وكما يحدث عند رواج الأساطير (ليجندس )، على نطاق واسع، فإنها تتحول في بعض العقول إلى «وقائع مثبتة»، فلا يطرح الناس أسئلة موضوعية لتقصي مدى صحتها: لماذا يحدث الخطف في العاصمة بالتحديد أو يكون التركيز عليها وعلى مدن كبيرة؟ هل الأعضاء المراد سرقتها وانتزاعها من المخطوفين أضراس وأظافر؟ ألا يتطلب قطع إصبع شخص واحد لزرعه في كف آخر بيئة جراحية/ طبية أم ان الخاطفين قتلة ينتزعون أعضاء المخطوفين داخل قطاطي خارج المدن ويحتفظون بها في تلك الأوعية التي نسميها صبارات لأنها تحتفظ ببرودة السوائل التي توضع فيها، ثم يتركون الضحايا يموتون ببطء؟
وفي مواجهة كل ذلك قال وزير الدولة للإعلام، ياسر يوسف، أمين أمانة الإعلام بالمؤتمر الوطني، إن البلاد تواجه سيلاً من الشائعات والاكاذيب التي تستهدف استقرارها وزعزعة أمنها، كاشفاً عن الجهود التي تبذلها أمانة الإعلام ب»الوطني» لمكافحة الشائعات. وفي هذا يقول المصريون «بعد سنة وتلات أشهر جات المعزية تشخر»، فقد كان حريا بالأستاذ ياسر كوزير ثان للإعلام أن يتصدى للشائعات قبل أن ترتدي مسوح الحقيقة، (وجميعنا نعلم أن الوزير الأول للإعلام د. احمد بلال، غير معني بالإعلام والتنوير وكشف الحقائق «الحقيقية»، وقد اعترف بنفسه بأن لسانه تعرض للتهكير فقال ما قال في أمور تتعلق بالأزمة الخليجية الراهنة )، ثم إن البلاد «لا تواجه سيلا من الشائعات»، بل «تنتج وتصنع» الشائعات»، التي تجد سوقا رائجة كلما كانت المعلومات محجوبة عن المواطنين. ثم ماذا عن تسريبات «جس النبض» التي يطلقها المؤتمر الوطني وحكومته، ليعود وينفيها متى ما جاءت بالتغذية الراجعة (فيد باك ) المرجوة؟
وأعلن يوسف خلال مخاطبته ورشة حول تداول الشائعات في الاعلام الالكتروني، وأثرها على السلم الاجتماعي، اعتزام أمانته تنظيم منتدى جامع للناشطين إلكترونياً للتفاكر حول الحد من الشائعات التي انتشرت في وسائط التواصل الاجتماعي وأصبحت مهدِّدة للسلم الاجتماعي. حلو، فهل سيشارك في المنتدى – مثلا – أهل الراكوبة وسودانيز أونلاين وسودان فور أوول؟ وهل غاب عليه أن أكبر منبر لتبادل الخبيرات والشمارات والمعلومات المضروبة والصحيحة هو واتساب، والذي لو أشركنا ممثلين لمستخدميه في المنتدى سيستمر فترة أطول من تلك التي استغرقها ما كان يسمى بالحوار الوطني، ثم يخرج بنتائج أكثر بؤسا من تلك التي خرج بها الحوار؟