(التحزيم) و (التفتيت) في الخرطوم

(1)
(التحزيم ، والتفتيت) ، مفردتان تتطلبان شرحا وتفسيرا ، ولكنهما تمثلان محور الاشتباك فى ولاية الخرطوم ، ولكل مفردة ابعاد وقياسات ، و(التحزيم) هو اعادة بناء مؤسسات الحزب على قواعد راسخة ، تبدأ بالاحصاءات والحصر للعضوية وتفعيل الادوار والمهام وتقصير الظل الادارى بداية من الشعبة ، بما يحقق مشاركة فعلية ويعطى صورة واقعية عن الحزب وانتشاره ، حيث كشفت المراجعة عن خلل في البناء القاعدي وهذه الاعادة والتصحيح قد تمثل مرحلة لاعادة خريطة الحزب وقياداته وتوزيعات الكتل وقد تفقد بعض القيادات مواقعها ، لان بعضهم لا يستند على قناعة قواعد وانما تدرج استنادا الى مجاملات واستثناءات ودون رضا شعبي ، و(التحزيم) – ايضا – ينسحب على الاداء الرسمي ، حيث الاحتكام الى استراتيجية واضحة وخطط ، واستقامة اداء ، وليس من خلال فضاءات الاعلام والتواصل الاجتماعي والمهرجانات الزائفة ، ولذلك فإن هذه القاعدة على اهميتها واجهت مقاومة وتشكيكا.
اما (التفتيت) ، فإن بناء الحزب على منظومة ادارية قاعدية واستقامة الاداء الحزبي على حقيقة واقعية سيؤديان بالضرورة الى ذوبان التكتلات والشلليات وازالة حالة اختطاف الحزب من شخصيات دون وجه حق ، سوى القدرة على التحايل ، وليس سرا ان قيادات سابقة في ولاية الخرطوم تشكل حكومة ظل ، للتخذيل والتبخيس وحتى تسريب المعلومات وبث الشائعات ، ولديهم مواقع راتبة وتواصل مستمر ولديهم وجود في مؤسسات الحزب بالولاية ، وفي الحكومة . ان اكثر تحديات ولاية الخرطوم تتمثل في بعض قياداتها وتطلعاتهم ، ومحاولتهم تحقيق نجاحاتهم من خلال التقليل من قدر الاخرين ، وهو امر يشير الى صعوبة الحرمان والفطام من اضواء السلطة.
(2)
ان (التفتيت) ، اتضحت ابعاده عندما اعتزمت الولاية نقل الخدمة الصحية للاطراف ، وتقريبها للجمهور ، والوصول الى اقرب نقطة اليه ، وهو أمر على وجاهته واهميته واجه حربا وصراعا قاسيا ومريرا ، لان هذا الانتقال تتضرر منه قطاعات طبية ، وخاصة ان الانتقال صاحبته اخطاء في التنفيذ والتدرج ، ولكن ذلك لا يبرر الهجوم على الفكرة ومنطلقاتها ، ولا يمكن القول ان تأسيس مستشفى في الجزيرة اسلانج أو في ود أبرق أو في الصالحة أو حتى تطوير مستشفى البان جديد ومستشفى النو ، كان خطأ أو لا يستحق الاشادة ، لمجرد ان هذا الامر يأتي على حساب مستشفى الخرطوم . ان تفتيت مراكز القوى والسيطرة يعتبر واحدا من اخطر القرارات ، ولان الصحة حلقة فيها الكثير من الحالات الانسانية ، والعاطفية فقد شكلت مدخلا واعتبارها نقطة ضعف وانطلاق .
وقس على ذلك ، (التحزيم) ، قد يبدو في حزم سياسات جامعة للولاية ، واولها ، لا استدانة من البنوك ، او رهن للمباني ، او بيع للاراضي ، او حتى تغيير غرض من زراعي الى سكني ، وتلك كانت اكبر موارد الولاية ، حتى تم بيع اغلب الميادين او رهنها للبنوك ، وعلى الولاية التزامات مالية ضخمة ، واليوم فإن الضبط المالي وتوظيف الموارد مكن الولاية من تنفيذ مشروعاتها دون اللجوء للخيارات القاسية ، وبالتأكيد فإن وزارة المالية بالولاية تستحق الاشادة .
ان قضايا ذات حساسية مثل المدارس الخاصة لم تكن هناك ادارة ترعاها سوى وحدة في رئاسة الولاية ، بينما المدارس الخاصة اصبحت شريكا في العملية التعليمية في الخرطوم ، وتقارب نسبتها المدارس الحكومية ، وكان انشاء وحدات اشراف على مستوى المحليات بعضا من محاولة احكام الاشراف والمتابعة.
(3)
ولازالة التشوهات ، وتحرير الملكية ، فإن هناك مشروع تقنين حرمات القرى ، والمناطق ، وهي قضايا قانونية وحقوق متداخلة ومعقدة وهناك إرث مجتمعي وقانوني ، وتصفية هذا الملف يعتبر انجازا بكل المقاييس حيث يتم توفير بيئة جيدة للمستثمرين.
ان قضايا الخدمات تمثل اكبر تحديات ولاية الخرطوم التي تشكل ربع سكان السودان ، وخاصة المياه وصحة البيئة والمواصلات ، ويبدو ان ضعف البنيات التحتية وسعة الفجوة وسعة الطموح تجعل من كل انجاز يبدو محدودا ، وفي كل خطوة هناك (كمين) ومصالح و(تقاطعات) ، ان سياسات الخرطوم تتطلب بعض الصبر والنظر بتأن وتبصر .
والله المستعان