التحرير والتحريف أو الصحافة والتصحيف

(1)
ليس مرة ولا مرتين ولا الف مرة تتخطف الوسائط التواصلية فكرة أو رأياً او خبراً أو عنوانا، فتسلخه سلخا، وتبتره بترا. تنتزعه من سياق جسده الأصل، وقد تضيف اليه او تنقص. ثم تمضى به في طريقها تنثره بين الناس ذات اليسار وذات اليمين، فتملأ به الآفاق.تلك هي الظاهرة. ونحن نحب ان نصفها بالظاهرة لأنها تخفف علينا هول المصائب، فالظواهر بطبيعتها مؤقتة وطبيعتها الانتشار الذي يعقبه الانكفاء والانزواء.
وفي بعض الأحيان لا يكتفي القوم بالتخطف والبتر وتحريف الكلم وتحريكه عن مواضعه، بل قد لا يتورعون فيأتون بالأحاديث الكاملة من تلقاء أنفسهم، ثم ينسبونها إليك. ولطالما نسب الوضاعون لكاتب هذه الكلمات أقوالا، بل ومقالات كاملة، ثم دفعوا بها في مسارات المنابر الاسفيرية والوسائط والتواصلية، فلما تحقق لها الانتشار والذيوع تلقفوها هم انفسهم واتخذوا منها معبرا ومطيّة لتهيئة الأجواء للتهجم على هذا الكاتب، او لخدمة أجندة خبيثة أخرى. وما اكثر الأجندة في زماننا الأغبر هذا.
وقد أحال اليّ بعض الأفاضل قبل أيام مادة راجت في مساطب التواصل جاء في مقدمتها: (هذا ما كتبه الاستاذ مصطفى البطل عن الناشطة تراجي). وقد استغربت لذلك العنوان فأوغلت في القراءة لأجد حشدا من المعلومات منسوبة الى شخصي، وموضوعة على قلمي،زعم مدونوها انني كتبتها، عن الخلفية الاجتماعية ليس فقط عن الشخصية المذكورة، بل وعن والديها أيضا!
ذلك مسلك موتور ومستقذر، يشف عن قدر من الوضاعة ودناءة الخلق عزّ ان يكون له نظير. وأحسب انه قبيل الأعمال التي لا يأتي بها الا قصار الفعال الذين دفعت بهم الى بطون المجتمعات بيوت منكسرة وضيعة، غابت عنها القيم والاخلاق وانعدم الضمير المسؤول، فلم تعرف للشرف بابا.
ولعل الخطوات والإجراءات التي اتخذتها السلطة القضائية وسلطات النيابة العامة مؤخرا بتفعيل وتنشيط قانون المعلوماتية يكون لها بعض الأثر في مطاردة هذا الصنف الخبيث من البشر، وفضحهم وتعريتهم، واجتثاثهم من جذورهم.
(2)
هذا عن الخبثاء، رد الله كيدهم في نحورهم وحمانا منهم ومن شرورهم. فماذا عن الكرام الأفاضل من أحبابنا واصدقائنا في ميادين الصحافة والاعلام الذين يتورطون، عن قصد، وعن غير قصد في اغلب الأحيان، في تحريف الاحاديث وتصحيف التصريحات؟ فنحن لا نقبل بأن تلغ الصحافة الورقية في ذات الماعون. ماعون التحريف والتصحيف. فالصحافة يفترض فيها التثبت والتروي والاستقصاء وليس البحث عن ضحية وعنوان في تجارة بكماء يطير فيها الصحافي بالعنوان الاكثر إثارة، تاركا الضمير الصحفي والمعاني والمواثيق من ورائه كسيرة حسيرة.
أى نعم، قد يرفع ذلك من توزيع الجريدة لمدة نصف يوم، لكنها يأتيها حتماً بالمسبة وسوء السمعة والضعف المهني وانحسار توزيعها في المدى البعيد، ومن هنا ربما جاء مصطلح الصحافة الصفراء باعتبار ان صفار اللون يعبر عن فقدان الدم والشحوب والخجل من الفعل المنكر.
وكثيرا ما اعتذرت الجريدة بدم بارد بعد ان ينتشر الريش في كل مكان ويصعب جمعه من جديد فيتعرض الشخص المستهدف لوابل من التجريح والتبكيت والقَدْح الغليظ دون ذنب مقابل اعتذار خجول قد يرد بعض مصداقية الصحيفة، ولكنه لا يحيط بالضرر الواقع ولا يرده.
اصبح الكلام في السوشيال ميديا مجانا وملفقا ومتاحا لمن يستحق ولمن لا يستحق، حتى كثر فيه الذم والتدليس والهتر، وانتشرت وتصاعدت موجات الكذب واكل لحوم الاخرين، حتى غدا الجميع في حالة سعار إعلامي يتعبدون كالدراويش حول اصنام الكذب التي يصنعونها.
(3)
الاسبوع المنصرم شهد حالتين من حالات التعجل وعدم التثبّت في نقل الاخبار،اوابتسارها واقتلاعها من سياقاتها وتحويرها، وتحشيد الناس حولها بصورة محمومة. أولها التصريح الذي نقل عن الدكتور عبد الرحمن الخضر، عضو المكتب القيادي للحزب الحاكم والوالي السابق لولاية لخرطوم ، ونسبت اليه حديثا لم يدل به ولا هو من رأيه وفكره، حول تعطيل الواتساب، وعلى النحو الذي أشعل سعار الخصوم في إعلام الفضاء والأرضين، حتى كادت الدنيا أن تفسد. ثم وبعد ان عّم الخبر المكذوب القرى والحضر، ونال الرجل مؤونة عام كامل من التقريع واللوم، والشتم المباشر أحيانا، عادت الصحف والوكالات الناشرة القهقرى لتعتذر عن النقل الخاطئ، وكأن شيئا لم يكن!
(4)
التصريح الاخر والذي وجدته وقد أحدث ضجيجا وعجيجا في كل مكانا ارتدته، هوما نسب من قول للدكتور السفير كرار التهامي، امين عام جهاز المغتربين، عن ان (الحكومة ليست مؤسسة خيرية لتشغيل العائدين ). وبسبب تلك العبارة التي التقطتها متدربة صحفية ناشئة، لم تفهم ماقيل، وركضت بها الي رئيسها ركضا وهي تحمل نصف حقيقة،أو ربما كذبة كاملة الدسم. ووجد الخبر الذي جعلته الصحيفة عنوانا رئيسا رغم انه من ناحية الحرفة والصنعة الاخبارية المهنية لا يصلح ان يكون خبرا رئيسا لأنه وحتى ان كان الرجل قد قاله فهو، في مبتدأ الأمر ومنتهاه، وجهة نظر وليس خبرا مطلقا يصلح عنوانا لصحيفة تقدر التزاماتها الاخلاقية في العمل الصحفي.
وجد ذلك الخبر رواجا يعبر عن حالة الفقر المعلوماتي الذي أضحت عليه بعض وكالات الانباء الصغيرة والصحف وهي تنبش في دُمن الثرى بحثا عن خبر او أثر. ثم وفي اليوم التالي اهتبلت عدد من الصحف الفرصة، وابتلعت طعم الكذبة، ودخلت البازار  فنشرت احداها اربعة أعمدة في عدد واحد، تهاجم الرجل وتنال منه، وانتشرت الأقاويل انتشار النار في الاسافير، فملأت الدنيا وشغلت الناس، في الداخل والمهاجر. في حين لم تهتم تلك الصحف، في ذات المواقيت ، بنشر أبرز وأهم احداث العالم في تلك الأيام، بما فيها حدث منع المسلمين من الصلاة في المسجد الاقصى!
(5)
تمعنت في الفكرة التي شرحها حبيبنا السفير د. كرار التهامي بعيدا عن موضوع العائدين الذي استهوى فؤاد الصحفية المتدربة. والفكرة بسيطة تتعلق بالمفهوم الاقتصادي لمؤشرات البطالة واهمية المواعين الاستيعابية خارج إطار الدولة في تخفيف حدة البطالة، لأن الدولة مهما اجتهدت فلن يكون في امكانها أن تكبح جماح البطالة ، الأمر الذي جعل مؤشراتها تنشر على المُلا في كل مكان.
بل وإننا نعلم اليوم، أعزك الله، ان الدول العظمى – ناهيك عن دويلاتنا النامية – لا تستطيع أسواق عملها  استيعاب هذا الكم من الباحثين عن العمل، حتى ولو تحولت الدولة الى (مؤسسة خيرية). الغريب ان هذه العبارة او المصطلح لم يكن من مبتكرات السفير التهامي، فهي تتكرر في كتب الاقتصاد وعلوم الاجتماع، وأول من أطلقها د بيتر سازرلاند في معرض حديثه عن العلاقة الطردية بين مؤشرات البطالة والنمو الاقتصادي،والدور المرتجى من الدولة في اطار تنظيم هذه المعادلة.
(6)
الذين يتابعون اخبار الاقتصاد والمال في دول العالم الكبرى يعلمون بغير شك كيف وصل مؤشر البطالة في اكبر الاقتصادات، وهو الاقتصاد الامريكي، الى1% ، وفقدت أسواق العمل الامريكي خلال مدة قصيرة ثمانية ملايين وظيفة، حيث فرض قانون العرض والطلب نفسه على المؤسسة الرسمية والاهلية فلم يعد هنالك خيار في مهاودة إنسانية من جانب الدولة لمواطنيها بسبب العوامل الحادة التي تقرر وتتحكم في طبيعة سوق العمل، إذ ان سوق العمل الرسمي هو اضعف الحلقات في محاربة البطالة.
الدولة مطلوب منها توسيع ماعون الاقتصاد العام وخلق المناخ المحفز للوظائف في القطاعين العام والخاص. ولكن لا بد من الانتباه الى ان هنالك روافد اخرى نشطة ومتجددة غير الوظيفة الحكومية، تدخل فيها حتى الهجرة المهنية المنظمة وقطاع الاعمال الصغيرة ومشاريع التمويل الأصغر والشراكات الاقتصادية. اما الوظيفة المباشرة فهي تمثل في معظم الأحيان اعانة انسانية محدودة التأثير تتحول الى عبء على الاقتصاد اذا تراكمت الوظائف دون انتاج في ديوان الحكومة.
(7)
وصل مؤشر البطالة في السودان في اخر مسح معلن اجرته الجهة المختصة الى 02% وهو بالقطع أفضل من دول كثيرة في المنطقة يصل في بعضها  الموشر الى 05%. ويصعب واقعيا على الاقتصاد في زماننا الراهن معالجة ذلك الوضع اوتحسينه بصورة جذرية في حالة ان عمدت الدولة الى تغليب الدولة الاعتبارات الاجتماعية والإنسانية والارتقاء بها فوق الاعتبارات الاخرى. النتيجة التلقائية هنا بكل معايير علم الاقتصاد هي الوقوع في قبضة سلسلة من التعقيدات الاجتماعية والاقتصادية المركبة،والاصطدام مع اشتراطات أسواق العمل والتركيبة الاقتصادية التي تتحكم فيها، فالدولة تحسن الاقتصاد الكلي وهو الذي يهيئ الوظائف وليس العكس. لماذا؟لأن خلق وظائف دون انتاج هو محض عطالة مقنعة وتعطيل لدواليب الدولة لا اكثر ولا اقل. ولعل جيلا من السودانيين يذكر (بند العطالة) الذي ابتكرته حكومة من الحكومات السابقة في منتصف الستينات وتسبب في أمراض مزمنة للخدمة المدنية اوشكت معه ان تتحول الدولة الى مؤسسة خيرية!
العبرة فيما حدث ان تتأهب الصحافة الورقية، وان ترتقى الى مقام مسؤولياتها الجسام تجاه مواجهة تحدياتها الحقيقية، ومساءلة صغار الصحفيين في حالة ارتكابهم مثل هده الأخطاء الشنيعة، حتى لا تفقد الصحافة رونقها وانضباطها الذي يميزها عن الوسائط الإجتماعية، فتسقط هي ايضا في وهدة ازمات الثقة التي باتت تكتنف الاولى وتهدر مصداقيتها.