الإرهاب… معضلات التعريف والمواجهة «3»

461إن نسبة جرائم الإرهاب والترويع للإسلام باسم الإرهاب الإسلامي هي جزء من خطاب الكراهية الذى هو أصل الغلو العنيف،  فالعنف هو المولود البكر لخطاب الكراهية ، ولا سبيل للقضاء على ظاهرة العنف المرتبط بالغلو الفكري والعقدي والقومي إلا بالتجانف والتباعد عن خطاب الكراهية. والمسلمون المسالمون يغضبون عندما يُنسب دينهم  لما يسمى بالإرهاب، فهم يعلمون أن دينهم مشتق من السلام والمسالمة ، وهو الآمر لهم بأن يدخلوا في السلم كافة ، ثم يسمعون من بعد ، في كل لحظة وآونة ، إتهاماً لدينهم بأنه الأب الشرعي لما يسمى بالإرهاب، وحق للمسلمين أن يغضبوا عندما يعرفون أن موجات الإرهاب ومنظماته التي نشأت أول ما نشأت في أوروبا شرقيها وغربيها لم تسم بالإرهاب الأرثوذكسي أو الكاثوليكي أو الإنجيلي، بل سميت باسمائها . فعلى سبيل التمثيل  فإن منظمة «إرادة الشعب» في روسيا التي إغتالت القيصر واستهدفت الطبقة السياسية في روسيا في خواتيم القرن التاسع عشر فصنفت منظمة إرهابية ولم تسم إرهاباً أرثوذكسياً .

عندما ناوأت منظمة آي آر أيه في أيرلندا حكم الأغلبية البروتستانية وكان الخلاف والنزاع مذهبياً دينياً بين البروتستانت والكاثوليك فصنفت منظمة إرهابية فى المملكة المتحدة ولم يطلق عليها اسم إرهاب كاثوليكي . وعندما برزت منظمة بادر مانهوف الألمانية وصنفت إرهابية لم تسم إرهاباً بروتستانتياً، وعندما صنفت مجموعة أيوم شنريكيو اليابانية إرهابية لم تسم إرهاباً بوذياً، ، وغالب هذه المنظمات تنطلق من تأويل خاص لمنطلقات دينية أو أيدولوجية، ولكنها لم تنسب للمسيحية ولا البوذية ولا الإشتراكية، ولكنها نسبت إلى ما تسمي به نفسها ، ولكن جماعات العنف في الحوض العربي الإسلامي هي وحدها ما ينسب للإسلام فيقال الإرهاب الإسلامي والتطرف العنيف الإسلامي.
ومما لاشك فيه أن مرجع ذلك هو إلى خطاب الكراهية الذي تتناول به كثير من دوائر الإعلام، والسياسة بل وبعض مؤسسات التعليم الغربية الديانة الإسلامية . والتحيز ضد الإسلام أو التخوف منه الذي يعرف بالإسلاموفوبيا أمر ليس بالمحدث في أوروبا والغرب عامة، فمرجعه يسبق الحروب الصليبية التى إجتاحت فيها أوربا عالم الإسلام باسم الصليب . ورغم توسع العلمانية واللادينية فى أوربا وأمريكا فقد تعاظم أمره مؤخراً بالحديث المكرر عن الإرهاب الإسلامي والخطر الإسلامي، فعظمت بلوى الطوائف المسلمة منه . وبخاصة تلكم التي تعيش في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية ، فقط تضاعفت جرائم الكراهية ضد المسلمين في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية . وهي في تصاعد مستمر يؤجج إلتهابها خطاب الكراهية الذي أصبح سياسيون مرموقون في الغرب لا يتوانون عن توظيفه في معتركاتهم الإنتخابية ، حتى بلغ بعضهم مثل دونالد ترمب مبلغاً يكاد يصفه على مصاف دعاة إدارة التوحش والكراهية، ولا يتوقف خطاب الكراهية العلني أو المستخفي عند دوائر السياسة والإعلام. بل إنه يتدثر بدثار البحث العلمي الأكاديمي والدراسات الأمنية والإستراتيجية.
فالمراجعة الدقيقة لكثير من النقاشات الأكاديمية والبحوث في مؤسسات البحث الغربية تكشف التحيز الفكري والثقافي مغلفاً بمهارة بغلاف اللغة البحثية الموضوعية . ومما يؤسف له أن كثيراً من هذه البحوث والنقاشات حول صلة الفكر الإسلامي بالتأويلات المتطرفة العنيفة التي تتبناها المجموعات الماضوية المصنفة باسمه لا يشارك فيها المنتسبون للفكرة الإسلامية، وإنما يقتصر البحث والتداول على الباحثين الغربيين وربما المشاركة المتواضعة لمنتسبين للإسلام ، وتقتصر على أولئك الذين لا يرون الإسلام مرجعية فكرية لهم ، بل مرجعيتهم هو الفكر الغربي بمختلف مدارسه ، ولذلك فإن حقيقة الصلة بين أصول الإسلام الحقة والتأويلات الخاطئة لمبادئة لن تتبدى أبداً لأولئك الباحثين . فهم محجبون بحجاب الغربة الفكرية سواء أكانوا من غير ملة الإسلام أو بعض أبنائه ممن فقدوا إيمانهم بمرجعيته لهداية الحياة المعاصرة.
تسميات الإرهاب في الإعلام الغربي
وأشهر هذه التسميات هي الإرهاب الإسلامي Islamic terrorism والتسمية قد يكشف خطأها حقيقة واحدة أن ضحايا جماعات الإرهاب المسلمة من المسلمين هم أضعاف مضاعفة لضحاياها من غير المسلمين. ولكن عيوناً تغشيها الكراهية هي وحدها التي لا ترى هذه الحقيقة البارزة الساطعة . ولا يثور الإعلام الغربي ولا ينتفض غضباً عندما يُقتل المئات فى الكرادة في بغداد أو العشرات في الضاحية فى بيروت أو العشرات في أنقرة، ولكنه ينتفض غضباً عندما يقتل عدد من الضحايا مهما قل في عواصم أوربا . وربما يجد أهل الإعلام في الغرب ذلك مبرراً لخطابهم لجمهور غربي ، ولكنهم يتناسون أن إعلامهم هو الذي يقود الإعلام التابع في كل العالم ، فالصورة التي يراها سائر الناس والإنطباع الذى ينطبع لديهم أن القيمة الإنسانية للإنسان الغربي أكبر وأعظم من قيمة الإنسان في الشرق الأوسط.
وأسوأ من تسمية الإرهاب الإسلامي هي تسمية جماعات العنف بالإسلاميين هكذا فحسب . وبذلك يتماهي التطرف العنيف بالإسلام . وكذلكم وتستخدم تسمية السلفية أو السلفية الجهادية، ورغم أن هذه الجماعات جميعاً تنسب نفسها للسلفية وتصف أعمالها المريعة بأنها إحياء لطريقة السلف الصالح إلا أن غالب الجماعات السلفية التي نشأت في مصر والسعودية وسوريا لا ترى رأيها ولا تقر عملها، ويكفي مثالاً أن أكبر المنظمات المصنفة إرهابية لدى الغرب «القاعدة» لا ترى أن سبيل الإفراط في العنف والتوحش وإستهداف الأبرياء إلا إنحرافاً عن الإسلام الصحيح.
ومما لا شك فيه أن للتأويلات الخاطئة للمبادىء الإسلامية والنصوص والتاريخ الإسلامي هي المنطلق الذي تنطلق منه هذه الجماعات الغالبة العنيفة ، بيد أنه ليس من مصلحة أحد أن يضم إلى هذه الدائرة جماعات سلفية عديدة لا تقر هذه التأويلات ولا تقبل تلكم التصرفات. والإعلام الغربي يستخدم تسمية الجهاديين أو الحركة الجهادية على هذه الجماعات وهي تسمية خاطئة ، فالجهاد ليس هو ما تقوم به هذه الجماعات بل أن ما تقوم به هو تأويل خاطيء لفكرة الجهاد، فالجهاد معنى مركزي في العقيدة الإسلامية وهو لا يقتصر على القتال، وإن كان القتال لتحقيق العزة والمنعة للأمة الإسلامية ، هو ذروة سنامه إلا أنه لا يقتصر على ذلك، فالجهاد لا يتنافى فحسب مع ما يسميه الإعلام الغربي إرهاباً بل هو عين التضاد لتلكم الفكرة.
الجهاد والإرهاب تضاد أم تناص :
إن فكرة الجهاد هى الجوهر التنفيذى للعقيدة الإسلامية فحياة المرء والمرأة كلها جهاد فى سبيل الحق . و الله -جل وعلا- جعل الجهاد باليد واللسان والقلب فأنزل فى الكتاب : «وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا» «سورة الفرقان : الآية 52»، بالقرآن، فالجهاد ليس مجرد المصافة والقتال، إنما الجهاد أعم من ذلك. الجهاد أن تكون ربانيا قرآنيا وليكون نسكك وصلاتك ومحياك ومماتك على المراد الإلهى الذى هو سبيل ملاقاة الله على طريق الحق فكل حياة الانسان جهاد لا ينقطع وكدح لا يتوقف على سبيل الحق. وهكذا يجب ان تكون حياة الإنسان «يأيها الإنسان أنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه» وهو كدح عقلى يتدبر فيه الإنسان آيات الأنفس والآفاق والأكوان ويتدبر آي الوحي ليترقى علمه وفهمه عن نفسه وعالمه والأكوان المحيطة به .والعلم هو مدرج لكل سارب وكل سارٍ وعارج الى مراقى الحق من كل شىء. وبذل غاية الوسع للتوصل للحق من كل شىء يسمى لما يبذل فيه من جهد إجتهاداً. ثم أن العلم بالشىء لا يراد إلا لإستقامة التصرف بشأنه ولذلك فإن حمل النفس على الإستقامة على الحق يسمى لما يبذل فيه من جهد مجاهدة .ثم إن إستقامة المرء أو المرأة فردا ليست قابلة للإكتمال ولا الإستدامة ما يتسع صف أهل الإستقامة ولذلك فإن الدعوة للإستقامة على الحق المبين المستبين تسمى جهادا . والجهاد درجات وكل صعود درجات وكل هبوط وإنحدار دركات وفى كل صعود وسفول. وهو فى تعريف اللسان العربي : مصدر من الجهد والجهد بفتح الجيم وضمها وهما الطاقة والمشقة ، تقول : جهد دابته وأجهدها : بلغ جهدها وحمل عليها في السير فوق طاقتها .
والاجتهاد : بذل الوسع والمجهود . والناس يعرفون من مكابدتهم الشخصية أن الصعود فيه كلفة وجهد وربما نصب وأما السفول والنزول فيسهل على كل كائن. وكلما زاد الصعود زاد الجهد ولذلك فإن القتال مدافعة عن الحق وممالأة لأهله هو ذروة هذا الصعود. والجهاد الذى هو قتال محرم إن كان عدواناً فالله لايحب المعتدين وإن بارز المسلمين عدو متهجم أو متربص فواجبهم أن يبارزوه ويطالعوه على سواء. «وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ» وجاءت الشريعة بالتحذير من الخيانة والترهيب منها، وبيان سوء عاقبتها في الدنيا والآخرة، يقول النبي – صلى الله عليه وسلم-: «يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ» وجاء في الحديث الصحيح أن من خصال المنافق أنه: «إِذَا عَاهَدَ غَدَرَ» ولأنهم مطلوب من كل مسلم قبل كل قتال ان يدعو العدو بدعوة الإسلام فإن لم يستجب دعوه بدعوة المتاركة والمسالمة. والجهاد الذى هو قتال هو الجهاد الأفضل لأنه أعلى درجات بذل الجهد والمال بل النفس ولكنه الجهاد الأصغر لأنه لا يكون إلا إستثناء على المعتاد .فالأمر الراتب المعتاد هو حالة السلم والحرب لا ترد إلا من قبيل فعل الآخر الذى يجبرك أن تتفاعل معه كارهاً والجهاد الأكبر هو جهاد الإستقامة على الحق لأنه مطلوب فى وقت ،فهو متواصل فى زمان السلم ولا يتوقف بل ربما عظمت الحاجة إليه فى زمن الحرب ..والحرب هى حالة المكره وهى وزر وحمل ثقيل على الأنفس وعلى أوضاع الناس . والاسلام لا يمجد الحرب بل يمجد الجهاد والجهاد هو بذل الجهد فيما تفعل لو كان فى حالة السلم أو حالة الحرب . وقد إختلط على بعض من أخلت التأويلات الفاسدة بعقولهم الفرق بين تمجيد الجهاد الذى هو تمجيد لفعل الصدق فى القتال وهو تمجيد للنصر وتمجيد للشهادة وبين تمجيد الحرب. فالاسلام لا يمجد الحرب بل أن القرآن يصفها بأنها عبء وحمل ثقيل إذ يقول «حتى تضع الحرب أوزارها» وأوزار الحرب تكلفة باهظة فى الأنفس والأموال بل حتى فى الأخلاق. وتمجيد فعل القتال هو ما انزلق بكثير من الجماعات إلى التوحش الذى يفضي إلى التنصل من الآدمية والإنحدار إلى البهيمية الضارية .وأسوأ ما تكون الحرب وأكره ما تكون عندما تستحل باسمها الحرمات فتنهب الأموال ويهلك الحرث والنسل ويقتل النساء والأطفال والصبيان وكل ذلك محرم حرمة مطلقة لا تجبها حالة الحرب بحال من الأحوال.فحالة الحرب لاتحل قتال غير المقاتلين ولا أذيتهم ، فالنساء والصبيان والشيوخ الكبار وكل مسلم لا يقاتل، لا يجوز قتالهم، ولا يعد قتالهم من الجهاد فى شىء بل هو أدخل شىء فى الظلم والعدوان، وقد وجد النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعض مغازيه امرأة مقتولة، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ فِيمَنْ يُقَاتِلُ» وقد حاول البعض إستحلال قتال غير المقاتلين بالإدعاء أنهم مظاهرون ومعاونون للمجهود الحربى للعدو وهى حجة باطلة فوجود المدنيين فى حماية العدو وشراءهم وبيعهم معه ومعاملتهم السلمية معه لا تعتبر مظاهرة إلا أن يكون دعما مباشراً للعمل الحربى وحتى فى هذه الحالة لا يقتل الأطفال لأن من سنة الشرع أن لا يؤاخذ غير المكلف صغيرا أو مجنوناً. وكل ميثاق يحمي المدنيين والنساء والأطفال أثناء الحرب لوضع أوزارها عنهم يجدر بالمسلمين أن يلتزموا به و أن يدعوا إليه . إن الآفة الكبرى فى زماننا هذا ليس هو غياب الجهاد وإنما غياب الفقه به وهى جهالة عظمت بها البلوى حتى اعتاد الناس على أنباء القتل للمسلمين والمسالمين فى كل صباح ومساء وكثر الهرج والمرج وصار قتل الناس بالجملة بالتهمة وإخراجهم من أرضهم بالشبهة هو الأمر الدارج المعتاد وكل ذلك باسم الجهاد والجهاد منه فى الضفة الأخرى فى خطين متوازيين لا يلتقيان فحسبنا الله ونعم الوكيل.
نواصل