من أجل الإصلاح.. العودة للجذور والأصول

إننا نذكر تلك الأيام التي توسلت فيها الإنقاذ بقيادات فذة ، وخبرات نادرة ، فواجهت أعظم التحديات ، وأشرس الأعداء ، فإستطاعت أن تخترق أعقد المراحل ، وتحقق ما كان إعجازاً بمختلف المقاييس علي كافة الصعد ، الأمر الذي أذهل الكثيرين ، وكان مثاراً للإعجاب ، فيما لا يمكن إعتباره ضربة للحظ ، بقدر ما كان قوة إيمانية تفجّرت ، وإرادة غلابة قهرت الذي كان من المستحيلات .
ومن القواعد الأصولية ، والنظريات العملية ، أن مختلف أنواع النشاطات والمهام ، لا يُرجي إصابتها للأهداف ، وتسجيلها لدرجات النجاح العظمي ، إلا عندما تكون القدرات في أقصاها ، والرغبات في أعلاها ، والنوايا الصادقة متملكة شغاف القلب ، ومتجاوزة كلمات اللسان ، وهذا هو الذي أدي بالفعل لما جعل الفترات التي تلت الأعوام التسعين من القرن الماضي ، فترات زاهرة ، ومليئة بطموحات لم تكن معلّقة في الهواء ، وإنما جهود حثيثة ، وإجتهادات واقعية ، وتشمير للسواعد ، وتضحية للقيادات قبل القواعد ، وإستثمار للطاقات بمخزون ضخم من التجارب ، وثمرات العلوم وجدية يعز نظيرها ، وتتقاصر دونها الهمم في كل مجال .
والعودة لذات المنهج الذي ثبت أثره ، وقُطِف ثمره ، وترآت للجميع واقعيته ، وعظيم نتاجه ، بعد طوال هذه التجربة هو الكفيل بإعادتنا مرة أخري إلي ميدانٍ أصبح خالياً ، وإلي منصة غادرها شهداء إلي الجنة ، وقيادات كانت ملئاً للسمع والبصر والفؤاد .
وقد يقول قائل بأن الطريق إذا أحاطت به العقابيل ، ووجد عدوٌ ثغرة لزرع ألغام فيه ، ونصب شراك ، فمن الصعب تنظيفه ، وإزالة ما لحق به من تخريب وتدمير ، وبالتالي إتقاء مخاطره التي قد تقود نحو الإنزلاق .
والأصول التي ندعو للإلتزام بها والإصرار علي عدم مفارقتها ، لا تختلف عن الشجرة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء ، ذلك لأن شجرة الحق لا يموت أصلها ، ولا تذوب جذورها ، إنما لديها القدرة علي مغالبة الآفات ، ومقاومة عوامل التعرية ، وقد يراها البعض بأنها ذبلت في موسم من المواسم ، لكنه يفاجأ عند انبلاج صبح أحد الأيام بأنها قد أورقت صفقاً جديداً ، فأخضرت بعد يباس ، وأثمرت ثمراً يانعاً يفوق جودة ذلك الثمر الذي أثمرته في سنواتٍ خاليات .
والدلالة القاطعة بأن الأصل لا يشبه المزيف ، والحقيقة ليس لا علاقة بالخيال ، والإرادة مكانها القلب وليس اللسان ، ذلك الذي حدث من نهضة عمرانية ، ومحافظة علي السيادة ، ونفط تدفق ، وخدمات جري تنويعها وتجويدها ، ومبانٍ حكومية ناطحت السماء ، وسياسات خارجية تصدت للعداء ، وتضحيات لرجال وهبوا الدماء ، وقدموا الأرواح ولم يضنوا بكل الذي لديهم للفداء .
ولم يكن أحد يتصور بأن الإنقاذ ستتمكن من توفير السلع والخدمات وليس بإمكانها الخروج من عنق الزجاجة التي خنقت الإقتصاد ، أو التمكن من مواجهة الرمال المتحركة بعد الهيمنة الأمريكية فيما يسمي النظام العالمي الجديد ، وجوانب أخري عديدة ، كانت تمثل صعوبات معقدة ، ومشاكل ليس أقلّ من أنها كقطع الليل المظلم ، أو موج عارم في محيط لجب ، تمخر فيه سفينة تفتقر إلي أدني التجهيزات الخاصة لمقاومة مختلف أنواع الأهوال ، ومواجهة ما يتطلبه مثل هذا السفر من قدرة لتحمل مثل هذه الوعثاء .
وبما أننا نطالب اليوم بملء الفم بضرورة إسترجاع كل ذلك ، ووضعه أمام النظر لإكتشاف مدي الإستقامة ، ومدي الإنحراف ، وما هي أسباب تنكب الطريق ، وضياع البوصلة ، أو إرتباك من يتحكم في إتجاهاتها ، فإننا كذلك ندعو إلي تقديم الأفضل ، وإختيار السهام الفاعلة لكنانة قديمة وإصطفاء أشخاصٍ تمرنوا علي مهارة الرمي ، وإصطياد الثمين ، وإستصحاب خبرة سبقت ، وجهدٍ كانت نتائجه ما يحكي عنه الواقع ، لمراحل مفصلية صعد بالبلاد أثنائها مجاهدون وأبطال ، وصعدت البلاد برمتها لقاء ما كان من مجاهدات حقة لأولئك الصناديد من الرجال .
والإصلاح الحقيقي ، لا يضطلع به إلا المخلصون ، ولا تظهر مفاعيله بخبط العشواء ، أو بذر الرماد في العيون ، وإنما بصدق القول ، وإثبات الفعل ، والقدوة الحسنة ، ولا يعرف أقدار الرجال إلا الرجال .
والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا .