من (الدمازين) إليك السلام ..

01-09-2016-06-6هو بعض ملامح صباحات وطني ، شاب وربما صبي وقد يكون طفلا شدت قامة بنيته شدائد الأيام ، تلقطه عيناي كل صباح يحوم في حمى (أمينة) بائعة الشاي التي اتخذت من إحدى الزوايا عند تقاطع شارعين مقرا مستقرا ، نظمت من بقايا حائط مثل بناء رفقة سيدنا الخضر ظلا استعانت على شد مداه بجوال قديم وقليل قصب جاف لتجعل منه ظلة ، تمنح غالب مساحتها للزبائن وتتقاسم هي والشمس بقية المسافة ! أعبرها يوميا أجلس فأشعر بفرض اداء التحية ، ألمح عمال يومية وموظفين اثنين وفضولي ثالث راجح ظني فيه أنه ينتظر صديقا ، تجلس (أمينة) مثل ملكة متوجة ، تعيد تدوير أكواب الشاي وتمزج المقادير حينا لبضاعتها ومرات بالمشاركة في سمر الضحى الذي غالبه عن الضيق والشظف وبعضه عن شواغل العرس والموت ، مرات يعجبني المجلس خاصة إن حضرت باكرا ، إذ تخف ضجة السابلة وتترفق بالناس الشمس أجلس ويكون صديقي هناك يحوم بالحمى ، صبي من بعض سمرة أرضنا و(غباش) تربتها ، تلمست فيه ودا لاح من محيا وجه لم تهزم اشارات الاسى فيه دخيلة سكينة القناعة عليه ، هز لي اداة يمسكها بيده اليسرى تصدر صوتا ، بقايا أغطية زجاجات مشروب نظمها بعقد من انسجة البلاستيك ! صاح بصوت خفيف (ورنش) ! نظرت لحذائي بشح نفس ، كان مغبرا ملبدا بالطين والقذارة ، يستوجب حاله الغسل ، همست لنفسي فقلت (جدا) أحسست باستجاتبي تطلق حماسة العون عنده فسارع بالجلوس على الأرض يمنة مني ، سحب كيسا مثل (المخلاية ) نثر أدوات عمله ، فرش خرقة على وركيه ، كنت قد دفعت حذائي نحوه مثل عمل غير صالح انكره ، حمل (فردة) ولم ينظر نحوي ، كان يطلق صافرة من فمه يوقع لحنا بموهبة شريك في صف اوركسترا ، جرى السائل الأسود بعد أن نضح الغبار عن الحذاء ، جرى السائل الاسود يصقل المكان بالالتماع ، يعمل بهمة ، كلما قطع مرحلة رفع الحذاء يراجع صنيعه وهو مستمسك بذاك الصفير قلت له: أتحب محمد الامين – المطرب- وكان اللحن لإحدى أغانيه قال وقد مس السؤال بؤر الشجن عنده ..أبو اللمين ؟ …ثم تمايل يحاكي ميلة رأس الباشكاتب ود الأمين ياخ ! قالها وهو يرتجز (قلنا ما ممكن تسافر ..نحنا حالفين بالمشاعر ) صمت لبرهة ، كأنما وقف عند تلة وجع ليضيف ما ممكن تسافر وكان الفتي ماهرا في توقيع اللحن بصافرة تتحدر من فمه ، كلما توقف أخذ نفسا من سيجارة هي بعض بقية شفط منها نفسا كأنما يقضمه ولا يجره ، قلت له اسمك؟ قال: فلان ثم رفع صدره قبالة محيا افتخار يحسه ليقول من النيل الازرق …دمازين وقد حرت في سر حذفه للالف واللام ثم اعجزني الفضول عن سؤاله ، حينما انتهى كنا قد انخرطنا في ثرثرة لم انتبه إلى انها كانت متابعة من الحاضرين ، امينة التي كانت تتابع الحديث رسمت على محياها ابتسامة وادعة ، وقد انغمست في الرصد الدقيق لمجرى الكلام ، كانت تتفرسه بعين ام وقلب والدة ، انتهى الوقت وشعرت بالحاجة لأن اصرفه لزبون آخر نقدته ماله كان جنيهين ، رفعتها لخمس فقال بكرة ورنيشك علي ، مضى ومشيت ، ثم صرنا صديقين ، إن التقيت به سلمت عليه واستفسرت حاله وهو إن التقاني احسست أنه أعمق صدقا مني ، يسألني سؤال القلق المشفق عن انه لأيام لم يرني ثم يضيف أنت كويس ..ناس البيت كويسين ، ويح هذه البلاد فحتى غمار الناس فيها ، ومن يعبرون دروب الحياة لهم طعم وبصمة وتحبهم بلا بسبب او بدونه وأنا أحب (عبد الرحمن) هذا وافتقده هذه الأيام.