لماذا يجب على السودان أن يعزز علاقاته أكثر بالدول الأفريقية؟

للسودان علاقات متميزة وراسخة مع الدول الافريقية ، وقد ظل على هذه الحالة منذ استقلاله . لقد استثمر السودان سياسيا واقتصاديا وثقافياً في القارة الافريقية، على الرغم من تصدر القارة الافريقية للاخبار في سياق الحديث عن الفقر والتخلف والمجاعات، وقد أدى ذلك الى تعزيز مكانة السودان في افريقيا بصورة لافتة للنظر، وقد تجلى ذلك في كثير من المواقف الافريقية المناصرة لقضاياه والمنحازة الى صفه.
وعلى الرغم من عدم تقصير القيادات السودانية في كل مراحل التاريخ السوداني في مد جسور الصداقة والاخاء مع الدول الافريقية ، الا ان المقال يرمي للتنبيه الى اهمية الاستمرار في هذا الاتجاه ، خاصة وان حقائق جديدة بدت تظهر في السنوات الاخيرة حول افريقيا ومستقبلها الواعد ، وما يلحظه المراقبون من التكالب الواضح على افريقيا من قبل القوى الكبرى التي تسعى جاهدة من اجل تعزيز علاقاتها بالقارة الافريقية ، وولوج اسواقها الواسعة والمتميزة .
وبالتالي ، فهذه فرصة للسودان الذي ظل يمد يد العون لاشقائه الافارقة ، ان يستعد لمرحلة جديدة في علاقاته بالدول الافريقية ، ليقدم لهذه الدول عصارة تجاربه وخبراته وموارده في مرحلة انطلاقها ، ليعزز وجوده فيها ، وليستفيد من الفرص العظيمة التي لاحت في الافق في القارة الافريقية .
ان من الاسباب التي تستوجب ان يكون السودان اكثر اهتماما بافريقيا خلال المرحلة المقبلة ان افريقيا هي قارة المستقبل من الناحية الاقتصادية ، وأن القرن الحادي والعشرين هو قرن أفريقيا بلا منازع ، لانها قارة بكر تحتوي كنوزاً من الطاقة والمعادن والموارد الزراعية والثروة الحيوانية، حتى انه بات يطلق عليها اسم «خزان العالم»، ولعل هذا وهو السبب فيما تحظى به الان من اهتمام عالمي متزايد ، اذ نلحظ الان تسابقاً قوياً وتنافساً محتدما بين القوى الدولية الكبرى من اجل الدخول في شراكات اقتصادية مع دول القارة بهدف استغلال مواردها الهائلة . وقال التقرير السنوي ««التوقعات الاقتصادية أفريقيا»»، الذي يصدره البنك الأفريقي للتنمية» ان الموارد الزراعية والطاقة والتعدين في أفريقيا، التي لم يستغل معظمها بعد، هي مفتاح تسريع النمو الاقتصادي للقارة» . وتمتلك افريقيا ـ حسب التقرير ـ ثلث احتياطي الثروات المنجمية في العالم «نحو 40 في المئة من احتياطي الذهب في العالم ، وحوالى 90 في المئة من البلاتين والكروم، كما أنها تضم خمس احتياطي الماس، إضافة إلى 30%من احتياطي اليورانيوم، و 6.6% من الغاز الطبيعي» ، وفي مجال الطاقة تحوز أفريقيا 12 في المئة من احتياطيات النفط في العالم ،وفي مجال الغذاء ، فان 60 في المئة من أراضيها صالحة للزراعة معظمها غير مستغلة وفقاً لتقرير البنك الأفريقي للتنمية ، وان 6 % في المئة فقط من الأراضي الصالحة للزراعة في أفريقيا مزروعة حتى الآن.
وبينما ظلت أفريقيا طوال تاريخها الحديث مصدراً للموارد الخام، والايدي العاملة الرخيصة ،وسوقاً لتصريف السلع المصنعة، اصبحت الان قبلة للمستثمرين الدوليين، حيث ارتفع حجم الاستثمار الأجنبي المباشر في أفريقيا من 15 مليار دولار عام 2002 إلى 37 مليار عام 2006 وإلى 46 ملياراً عام 2012، ووصل عام 2013 إلى 57 مليار دولار بارتفاع نسبته 4 في المئة ، وقد تصبح القارة الافريقية ـ حسب الخبراء الاقتصاديين ـ من أكثر المناطق مساهمة في النمو الاقتصادي العالمي، وسوف يزيد الناتج المحلي لدول افريقيا جنوب الصحراء أفريقيا بحوالي 12 تريليون دولار بحلول 2050عام .
وحسب قناة «Sky News» تسجل افريقيا نموا سنويا يبلغ في المتوسط 6%، وباتت ساحة للتنافس بين اكبر الاقتصادات في العالم، حيث وصلت الاستثمارات الصينية في افريقيا الى اكثرمن 75 مليار دولار، وبلغت استثمارات الولايات المتحدة الامريكية في افريقيا حتى عام 2012 الى 90 مليار دولار»، وبلغ التبادل التجاري بين الصين وافريقيا الى 210 مليار دولار، متفوقا على التبادل التجاري بين الولايات المتحدة وافريقيا والذي يصل الى حوالى 95 مليار دولار حسب احصائيات العام 2013م
لقد تغيرت نظرة العالم لافريقيا فجأة ، ففي العام 2001م وضعت مجلة «ذي إيكونوميست» على غلاف احد اعدادها عبارة « قارة بلا أمل» في اشارة للقارة الافريقية، ولم يمض على ذلك اكثر من عقد واحد حتى كتبت نفس المجلة في العام 2011م على غلافها عبارة «إفريقيا الواعدة».
بدأ الحديث في بعض وسائل الاعلام عن « النمور الاقتصادية الافريقية « في اشارة الى بعض الدول التي حققت نموا جيدا في الناتج القومي الاجمالي مثل رواندا التي بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي فيها الى 8% سنويًّا بين عامي 2001 و2014، وكوت ديفوار التي حققت نموا اقتصاديا وصل إلى 8.4% في عام 2015، وإلى 8.5% في 2016 ،وكينيا التي من المتوقع أن ترتفع نسبة النمو الاقتصادي فيها من 5.9% في عام 2016،إلى 6.1% في عام 2017.
مجموعة العشرينG20، للدول الصناعية الكبرى والرائدة في العالم من حيث الجوانب المالية والاقتصادية، اعتبرت ان الشراكة مع أفريقيا أحد أهم الموضوعات التي تعمل عليها، ودعت الى تأسيس مبادرة «حلف مع أفريقيا» والتي تشرف عليها وزارة المالية الألمانية الاتحادية .
في مطلع 2017 كانت الوزارة الألمانية الاتحادية للتعاون الاقتصادي والتنمية «BMZ» قد قدمت أيضا ورقة عمل الموضوعات الرئيسية من أجل «خطة مارشال في أفريقيا»، ووفقا للخطة تدعم وزارة التعاون والتنمية خطة مارشال في أفريقيا بمبلغ 300 مليون يورو لتنشأ في أفريقيا فرص عمل جديدة، تمكن من محاربة الفقر وضمان السلام أو إيجاده ، وان تستفيد الشركات الالمانية من هذه الشراكة ، وسوف تتوفر الفرص على المدى المتوسط والبعيد للشركات الألمانية. «مشروعات بناء جديدة، مثل الطرقات وخطوط السكك الحديدية والمطارات والمرافئ ومحطات الطاقة، وغيرها» .
لقد ادركت بعض الدول العربية والافريقية اهمية القارة ومستقبلها الواعد فبدأت التخطيط لدخول السوق الافريقية الواعدة ، ففي تونس دعا الخبراء الاقتصاديون الى « تموقع الشركات التونسية في الأسواق الافريقية « ،واعتبروا ان جزءا من الحل للمشكلات الاقتصادية في تونس يكمن في النفاذ الى الأسواق الافريقية واقتحامها خاصة في المجالات الحيوية ، ومنها الصناعة والاتصالات والطاقة ، إضافة الى الخدمات الصحية والسياحية ، داعين الى توفير النقل المباشر ، ووجود القطاع البنكي التونسي وتسهيل المعاملات المالية. وفي الجزائر انعقد في ديسمبر2016 المنتدى الافريقي للاستثمار والأعمال» ، والذي حضره حوالي ألفي رئيس مؤسسة ورجل أعمال يمثلون 40 دولة افريقية ، بالاضافة الى مراقبين ومهتمين من خارج القارة الافريقية . وانتهى المنتدى بالتوقيع على ما يزيد عن 100 عقد وبروتوكول اتفاق بين رجال أعمال ومؤسسات اقتصادية جزائرية وافريقية
ومما يشجع على الاتجاه اكثر نحو افريقيا المواقف الافريقية القوية الداعمة للسودان. لقد تعرض السودان لهجمة شرسة من القوى الدولية والاقليمية ، الا ان اغلب الدول الافريقية كانت لها مواقف ايجابية وقوية تجاه السودان ، وعلى سبيل المثال فقط ، فقد دعا الاتحاد الافريقي بقوة لرفض العقوبات الأمريكية على السودان واتخذ الاتحاد قراراً دعا فيه الدول الأعضاء لعدم الالتزام بالعقوبات الأمريكية، ووجه بتكوين آلية لمتابعة تنفيذ قراره، والعمل على رفع العقوبات الأمريكية ، وفي الوقت الذي اتخذت فيه الجامعة العربية موقفًا ضعيفاً وغريباً من موضوع المحكمة الجنائية الدولية ، ، دعت إثيوبيا عام 2013إلى انعقاد قمة طارئة للاتحاد الافريقي لبحث إمكانية انسحاب جماعي لدول القارة من المحكمة الجنائية الدولية تضامنًا مع السودان؛ وفي عام 2015، قام البشير بزيارة إلى جنوب افريقيا وطلبت المحكمة الدولية من حكومة جنوب افريقيا تسليمه فرفضت حكومة جنوب افريقيا ذلك ، وترتب على تلك الأزمة ابلاغ حكومة جنوب افريقيا للامين العام للامم المتحدة رغبتها في الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية ،وتبعتها في ذلك بوروندي لان محكمة الجنايات الدولية ، ومنذ بدء عملها في العام 2003 فتحت عشرة تحقيقات، بينها تسعة في دول افريقية «، وعلى الرغم من ان جنوب افريقيا ارجأت طلبها «لاستكمال اجراءات داخلية تتعلق بذلك « ، الا ان موقف جنوب افريقيا وبوروندي يمثل الموقف الافريقي المناصر للسودان بشكل عام . كذلك فان من المواقف الافريقية المناصرة للسودان ان الخرائط المعتمدة لدى الاتحاد الافريقي تؤكد سودانية «حلايب وشلاتين».
الاستثمار السياسي السوداني في افريقيا لم يغب عن ذهن القيادة السودانية في كافة مراحل التاريخ السياسي للسودان . لقد كان للخرطوم دور كبير في الدول الافريقية : سياسيا واقتصاديا وعسكريا ، حيث قدم الدعم لاشقائه في الصومال طول عقد التسعينات حين انهارت مؤسسة الدولة في الصومال ، كما قدم الدعم لحركات التحرر الوطني في الصومال وإريتريا وإثيوبيا، وظل حاضرا في كافة المواقف التي احتاجت فيها هذه الدول الى دعم السودان ، كما قدم الدعم المالي والتعليمي عبر المؤسسات الاسلامية السودانية او التي تتخذ من السودان مقراً ، مثل هيئة الدعوة الاسلامية ، ومنظمة الدعوة ، وجامعة افريقيا العالمية بالخرطوم وغيرها . في ذات الوقت ، فاننا نعتقد ان الجهود التي يبذلها السودان في افريقيا سيكون العائد منها اكبر من اي جهود يبذلها في اي منطقة اخرى من العالم ، وهو ما يقتضي مضاعفة الجهد في هذا الاتجاه .
لذلك لا بد من تقوية علاقات السودان بالدول الافريقية مع إعطاء الأولوية لدول الجوار الجغرافي وتنشيط الزيارات المتبادلة بين المسؤولين في السودان والدول الافريقية الشقيقة ، وزيادة وتفعيل الاستثمارات مع الدول الافريقية والدول الاخري ، وتقوية العلاقات مع الاحزاب الحاكمة والبرلمانات مع الدول الافريقية ، واقامة علاقات شعبية مع منظمات المجتمع المدني الافريقية ، والعمل على تعزيز دور السودان في المنظمات الافريقية المختلفة .