بداية العد التنازلي لجولة تفاوض جديدة .. (بوث) وزيارة الخمسة أيام ..ماذا قرأ على (الخرطوم)؟

01-09-2016-03-4من المنتظر ان يختتم المبعوث الامريكي للسودان وجنوب السودان دونالد بوث اليوم (الخميس) زيارة للسودان تعد الثانية له فى اقل من شهر التقى فيها عددا من قيادات الدولة ،لتحريك جمود المفاوضات بين الحكومة وقوى المعارضة التى اعلنت الوساطة الافريقية (الاحد) 14 اغسطس الماضى تعليقها الى اجل غير مسمي لتذهب التوقعات بعدها الى استئنافها في غضون اسبوعين .
سيناريو زيارة المبعوث الامريكي للخرطوم (الاحد) الماضى ،يبدو انه لا يختلف كثيرا عن زيارته السابقة بقصد الوقوف على الاوضاع فى اقليم دارفور ، من جهة وتحديد زمن استئناف التفاوض من جهة عطفا على انه لم تمر ايام قلائل على زيارته حتى اعلنت الوساطة الافريقية استئناف التفاوض الذى تمخض عنه توقيع قوى المعارضة ممثلة فى الحركة الشعبية قطاع الشمال ، رئيس حزب الامة القومى الصادق المهدى ، رئيس حركة العدل والمساواة جبريل ابراهيم ورئيس حركة تحرير السودان منى اركو ، على خارطة الطريق الافريقية بعد طول انتظار لنحو خمسة اشهر تلكأت قوى المعارضة فى التوقيع عليها وكانت الحكومة قد سبقتها على التوقيع فى الحادى والعشرين من مارس الماضى بالعاصمة الاثيوبية (اديس ابابا).

تقرير : متوكل أبوسن

(بوث) ..دفع التفاوض
وبدا واضحا ان (بوث) يجتهد للدفع بعملية التفاوض وتحريك جمودها ، لاسيما وانه انخرط فى اجتماعات مماثلة مع اطراف المعارضة فى (اديس ) قبل وصوله الخرطوم ،فيما لم تستبعد مصادر أن خلاصة زيارة الرجل دعوة الاطراف الى جولة جديدة تضاف الى جولات التفاوض الثلاثة عشرة عقب عيد الاضحى المبارك.
المبعوث الذى اظهر خلال زيارته لولاية النيل الأزرق اهتماما بأوضاع النازحين المتأثرين بالحرب في المنطقة،ومناقشته القضايا ذات الصلة بالمساعدات وأوضاعهم العامة،لابد وانه قد قرأ كتابه (للخرطوم) بما فيه كيفية تخطى عقبة ايصال المساعدات الانسانية للمتأثرين فى المنطقتيتن (جنوب كردفان والنيل الازرق) ابرز نقاط الخلاف بين الحكومة والحركة الشعبية (قطاع الشمال).
وكانت الخرطوم قد تمسكت خلال الجولة المنهارة، بمسارات داخلية للإغاثة، بينما طالب (قطاع الشمال) بتحديد مسارات خارجية الامر الذى اعتبرته (الخرطوم) انتقاصا لسيادتها ووسيلة لاعادة ترتيب صفوفها وتقويتها بهدف إطالة امد الحرب وهروبا من الانتقال الى الملفات العالقة بما فيها ملف الترتيبات الامنية بوصفه اهم ملفات التفاوض .
وكان الوفد الحكومي قد أصدر بياناً حمّل فيه وفد الحركة الشعبية قطاع الشمال وتحديداً «رئيسه ياسر عرمان» المسؤولية الكاملة أمام المواطنين في المنطقتين أولاً، وأمام الشعب السوداني ثانياً، وأمام المجتمع الدولي ثالثاً، عن فشل هذه الجولة في التوصل لاتفاق وقف العدائيات الذي يقود إلى الوقف الدائم لإطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية والترتيبات الأمنية، ومن ثم التسوية السياسية الشاملة بشأن المنطقتين «رغم إننا كنا قاب قوسين أو أدنى من التوقيع» .
وقال رئيس وفد الحكومة المفاوض مساعد رئيس الجمهورية ، إبراهيم محمود حامد، في مؤتمر صحفي (الاثنين) عقده بمطار الخرطوم فور عودة الوفد من مقر التفاوض بإثيوبيا «سنواصل في مسعانا نحو السلام ولن نيأس أبداً»، ورسالتنا للشعب السوداني بأن هؤلاء لا يريدون سلاماً ولا استقراراً»،متهما الحركات المتمردة بعدم الجدية في السلام، وأن توقيعها على خارطة الطريق بعد خمسة أشهر من توقيع الحكومة كان مجرد مناورة من أجل رفع الضغط الإقليمي والدولي .
المحلل السياسي والكاتب الصحفى محجوب فضل بدرى ، شبه وجود المبعوث الامريكيى فى الخرطوم ، بالمبعوث الاسبق للرئيس السابق جورج بوش القس دان فورث ايام التفاوض مع الحركة الشعبية 2004 م، مشيرا الى انه اعلن انه جاء للخرطوم ليبحث عن نصر خارجى للرئيس الامريكي دون استخدام القوة ليدخل به الرئيس الانتخابات الرئاسية .
وقال فضل فى حديثه لـ (الصحافة) ان (بوث) فى الخرطوم ليجد للادارة الامريكية (عصا) لتهز بها وسط المجتمع الدولى ويقول ان امريكا نجحت فى حل معضلة كبيرة .
سؤال محورى تمطى على صفحة الراهن عن تفاصيل (كتاب) المبعوث الامريكي الذى تلاه امام (الخرطوم) خلافا لحثها على العودة الى طاولة التفاوض بـ (اديس) ،عطفا على ان (واشنطون) تعد اللاعب المحورى فى عملية التفاوض بين الطرفين ،وسؤال اخر حول مدى تأثير حالة الانفراج النسبي فى علاقتها والخرطوم من واقع تصريحات مسؤولى البلدين وخاصة الجانب السودانى وحديثه عن مؤشرات ايجابية فى شكل العلاقة .
وفى المقابل ، الى اى مدى يمكن ان يؤثر ذلك فى علاقة (واشنطون) مع قوى المعارضة خاصة المسلح منها وتحديدا الحركة الشعبية قطاع الشمال الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة منذ ما قبل التوقيع على اتفاقية نيفاشا التى قادت الى انفصال جنوب السودان فى التاسع من يوليو 2011 .
(واشنطون) والضغط على (الخرطوم)
الحكومة التى سارعت فى التوقيع على خارطة الطريق فور اعلانها من قبل الوسيط الافريقي ثامو امبيكي ، يبدو انه ليس لديها ما تخسره عقب انفصال جنوب السودان فى التاسع من يوليو 2011 انفاذا لاتفاق السلام الموقع بينها وبين الحركة الشعبية ،فى ظل حالة المرونة التى طرأت على علاقتها مع الادارة الامريكية عطفا على تكرار تبادل الزيارات بين مسؤولى البلدين واخرها زيارة وزير الخارجية ابراهيم غندور للولايات المتحدة فى اكتوبر الماضى .
ورغم ان الزيارة التى استمرت لتسعة ايام كانت فى سياق المشاركة فى قمة التنمية المستدامة واجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ، بتكليف من المشير عمر البشير رئيس الجمهورية ،الا انه التقى على هامشها بوزير الخارجية الأمريكي جون كيري بحضور مساعديه.
غندور فى تصريحات له بمطار الخرطوم فور عودته قال انه تم الاتفاق خلال اللقاء على خارطة طريق لكيفية الوصول للتطبيع الكامل للعلاقات وفق خطوات متفق عليها ، مؤكدا انه تم الاتفاق مع كيري بالتواصل حول هذا الأمر ،وان سفارة السودان بواشنطن ستواصل في هذا الصدد مع مساعدة وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الأفريقية .
الكاتب الصحفى والمحلل السياسي ،محجوب فضل بدرى ،قال ان المبعوث الامريكي ليس لديه ما يضغط به على الخرطوم وان (كروت الضغط الامريكية محروقة ) وانها مجرد وعود كاذبة و(ممطولة) ،مشيرا الى ان الادارة الامريكية وعدت حال التوقيع على اتفاقية نيفاشا بتطبيع العلاقات مع الخرطوم ورفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب وفك الحظر الاقتصادى الاحادى وحل الديون الخارجية ،وقال : بمجرد ان انتهى التفاوض ابرزوا فى وجهنا مشكلة دارفور وانهم لن يقدموا شيئا مالم تحل المشكلة وجاءت اتفاقية (ابوجا) و (الدوحة) ولم يحدث شئ واذا تم التوقيع على اتفاق الان مع الحركات المسلحة سيبحثون عن تفجير مشكلة (ابيي) للاستمرار فى وعودهم الكاذبة واذا حلت ابيي سيبحثون عن مشكلة جديدة .
ومضى بدرى الى ان الادارة الامريكية لا تملك كروت ضغط ضد الحكومة وانها فعلت كل ما باستطاعتها فعله والحكومة الان تعايشت مع كل هذه الممارسات ولا ترجو شيئا من امريكا ،وقال : الحكومة حريصة على التطبيع مع امريكا لكنها تعلم ان هذا ليس مأمولا ان يحدث فى المستقبل المنظور.
ولكن استاذ العلوم السياسية د. صلاح الدومة ،فى حديثه لـ (الصحافة) لم يستبعد ان يمارس المبعوث الامريكي (بوث) ضغطا على الحكومة لابداء مرونة حول الملف الانسانى وتقديمه على الملف الامنى ،مشيرا الى حدوث انفراج وصفه بالنسبي فى شكل العلاقة بين الطرفين لكنه قال ان (هذا الانفراج ليس حبا فى عيون الحكومة) ،واستطرد : يجب ان لا نتفائل كثيرا بالعلاقة مع امريكا فهى تتعامل مع الحكومة الحالية على اساس انها شر لابد منه.
وحول علاقة (واشنطون) مع الحركات المسلحة ، قال الدومة انها ورغم تخلى الغرب وامريكا على وجه الخصوص عن الحركات المسلحة الان ووقف الدعم الذى كان يقدم فى السابق الا انهم لن يتخلوا عنها بشكل نهائي ،واضاف : الحركات المسلحة ليست بحاجة للضغط عليها فهى طوع امر الغرب ويخدمون اجندته لذلك ليس من السهولة ان يتخلوا عنهم ولكن فى هذا التوقيت يمكن ان يتخلوا عنهم مؤقتا لانجاح التفاوض ،مشيرا الى انه سيأتى الوقت الذى تعيد امريكا استخدام الحركات المسلحة ضد الحكومة ،وقال : الى الان الحركات المسلحة لم تقدم ثمن ما أخذته من الغرب وهؤلاء يريدون المزيد.
جنوب السودان فى المشهد
الولايات الامريكية برئاسة باراك اوباما وهى تستعد لاختيار رئيس جديد فى الانتخابات الثامنة والخمسين لرئاسة الولايات المتحدة، المقررة الثلاثاء 8 نوفمبر 2016 ، يبدو راجحا انها تسعي لاغلاق دورة رئاسية بإنجاز يضاف الى سلسلة انجازاتها فى البحث عن تسوية سياسية فى السودان لعوامل عدة ابرزها انهيار الاوضاع فى جنوب السودان وشبه اجماع على قدرة السودان على لعب دور محورى فى اعادة الاستقرار للدولة الوليدة من واقع العلاقات الازلية بين الدولتين وترابطها ،ويتبع ذلك مخاوف المجتمع الدولى ان يساهم تدهور الاوضاع فى جنوب السودان الى تنامى نشاط الجماعات الارهابية وغيرها بما فيها مليشيات جيش الرب .
ولاشك ان استمرار تدهور الاوضاع فى الدولة الوليدة يعطل مساعى الادارة الامريكية فى الاستفادة من الثروات المتاحة بما فيها البترول ،وتعويض خسارتها طيلة سنوات الحرب ضد الشمال ،وتعزيز اقدامها فى القارة السمراء فى ظل التنافس المحموم بينها وبين الدول العظمى وتجئ الصين وروسيا فى مقدمتها .
استاذ العلوم السياسية الدومة عزا ما اسماه بالهدوء الامريكي تجاه السودان الى حالة الانهيار التى طغت على المشهد فى جنوب السودان ، مشيرا الى ان الموقف الامريكي الحالى تجاه السودان يعد عربونا لقيام الخرطوم بدور اكبر فى حل الازمة فى الدولة الوليدة ،مشيرا الى ان واشنطون حريصة على اعادة الاستقرار لجنوب السودان بشتى السبل بما لها من مصالح فى المنطقة ،وقال : امريكا لعبت دورا محوريا فى انفصال جنوب السودان وان لها ان تقطف ثمار غرسها ،واضاف: هى تبحث عن منصة انطلاق لسياساتها واقتصادها فى افريقيا .
الحكومة وتعدد كروت الضغط
الحكومة التى انهكها الركض خلف السيطرة على سعر صرف الدولار مقابل العملة المحلية وارتفاع الاسعار ، ايضا تراهن على عامل الزمن فى انهاك الحركات المسلحة ومن خلفها عملياتها العسكرية التى نجحت فى جعل دارفور خالية من التمرد بعد سيطرتها على اخر معاقله فى جبل مرة ،مما اضطر ما تبقي منهم للفرار الى دولتى ليبيا وجنوب السودان وفى كلا الدولتين يعيشون اوضاعا قاسية جراء الهجمات التى يتعرضون لها بين الحين والاخر من معارضة الدولتين ، واستطاعت حصر قوات الحركة الشعبية قطاع الشمال فى جيوب صغيرة بولاية جنوب كردفان بعد ان بسطت سيطرتها بالكامل على ولاية النيل الازرق وكانت اخر معاركها تحرير جبال (كلقو).
سياسيا ،تراهن الحكومة على مسار الحوار الوطنى الذى شارف على نهاياته بإعلان جمعيته العمومية العاشر من اكتوبر المقبل موعدا لانعقاد مؤتمره العام لاجازة توصياته ، وهى تباهى بمشاركة 77 حزبا و36 حركة مسلحة ،ذلك الحوار الذى وجد تأييدا اقليميا ودوليا عطفا على اعتماده خارطة الطريق الافريقية مرجعية لحل القضايا القومية وهو احد ابرز اسباب قوى المعارضة لرفض التوقيع علي الخارطة الافريقية.
محجوب فضل بدرى قال ان الحكومة تقف على ارضية ثابتة بشهادة الالية الافريقية رفيعة المستوى وقد استجابت لكل المطالب ووقعت على خارطة الطريق سابقة للقوى المعارضة وتشارك فى التفاوض بمستوى عال ممثلا فى مساعد رئيس الجمهورية المهندس ابراهيم محمود حامد ،نائب رئيس المؤتمر الوطنى ،لافتا الى انها اشركت اصحاب المصلحة الحقيقيين فى التفاوض فيما تعانى الحركات المسلحة من التفرقة والشتات ما يجعل وحدتها مستحيلة.
ومضى بدرى الى ان الحكومة بشهادة المجتمع الاقليمي والدولى تدير حوارا وطنيا شفافا شاملا يبحث فى جذور المشكلة ولن تنتظر ان يعتدل مزاج ما تبقى من الحركات المسلحة للانضمام اليه ،مشيرا الى ان بيان الوساطة الافريقية حمل الحركات المسلحة مسؤولية افشال الجولة الاخيرة.
واكد بدرى انه لا سبيل الا استئناف التفاوض ،وانه ليس امام ما تبقى من حركات دارفور الا الاستمرار فيه ،مشيرا الى انها فقدت القوة فى ميدان القتال ولاتحظى بتعاطف الجهات الداعمة التى تمدها بالسلاح ،وقال : اخر ورقة كانت تلعب عليها المساعدات الانسانية لتشوين قواتها لتبدأ عملياتها العسكرية ضد القوات المسلحة فى الصيف القادم ،واضاف : لا يوجد عاقل يوافق على هذا الطلب الفج المعوج.
وحول استخدام جنوب السودان ككرت ضغط فى يد الحكومة ،ذهب بدرى الى ان الحكومة يجب الا تتاجر بالمواقف الانسانية مع جنوب السودان الذى اشار الى انه الى وقت قريب كان جزءا من السودان ،وقال : واجبنا العقدى الدينى والاخلاقي يحتم علينا ان نقف مواقف ايجابية فى قضية جنوب السودان.