بعضها حزبي وأغلبها تنفيذي .. تقاطعات المركز والولايات… حجية الدستور والزامية القانون !

التفاعل بين الولايات والمركز في القضايا الكبرى مثال على العلاقة الوطيدة

تقرير: نفيسة محمد الحسن

وزير الإرشاد الاوقاف

وزير الإرشاد والأوقاف

تفاجأت مجالس المدينة بقرار إيقاف الحديث الديني في الأسواق والطرقات العامة … وواجهته العديد من الجهات والجماعات بالانتقاد لاعتبارات عديدة منها عدم اختصاص وزارة الاوقاف الاتحادية بمثل هذا القرار… بالاضافة الى عدم وضع القرار للدراسة من الجهات المختصة بالرغم من دفاع وزير الاوقاف عن احقية سلطاته باصدار هذا القرار… واولى الجهات كانت هيئة علماء السودان التي دعت وزير الارشاد والاوقاف لتجميد قراره القاضي بمنع الخطاب الدينى في حلقات الوعظ والارشاد والساحات العامة … وقال بروفيسور محمد عثمان صالح رئيس الهيئة إن الدعوة تأتى لمزيد من التوافق بين الوان الطيف الديني في البلاد على الضوابط التى تتيح حرية الدعوة الاسلامية باعتبارها حقا دستوريا… يبدو ان هذا الخلاف يقود الى ملامح صراع بين المركز والولايات في صورة توضح سلبيات النظام الفيدرالي… وتتعدد نماذج مثل هذه التقاطعات التي اكدها المستشار القانوني هاشم كنة أن النظام الفيدرالي يهدف الى تلبية حاجات ضرورية لمجتمعات ذات ظروف خاصة بغية معالجة مشكلات تنشأ عن اتساع مساحاتها وتعدد أعراقها واثنياتها ،وقد تختلف التجربة من دولة إلى أخرى تبعاً لطبيعة كل دولة وفهمها للفيدرالية وتطبيقها لها، ونجاح التجارب يعتمد على عملية المراجعة ،فالتجربة الأميركية التي رسخت عبر القرون المتطاولة بدأت عام 1787م ثم لم تلبس أن خضعت لمراجعات كثيرة أفرزت أنموذجا اتضحت فيه العلاقة بين المستويات المختلفة الفيدرالية والولائية، وكذا الأمر في الهند التي تمتاز بعدد كبير ومتنوع من السكان،أما في المحيط الافريقي فيمكن النظر إلى التجربة النيجرية وأخيرا إثيوبيا.

والي البحر الأحمر

والي البحر الأحمر

اسباب التباين…
وقال كنة : المتتبع للممارسة العملية للولايات لحقوقها في تشكيل أجهزة الحكم يلاحظ التباين في عدد الوزراء والمعتمدين ،وقد أدى هذا الوضع لوجود تباين واضح في الولايات من حيث تحديد الحقائب الوزارية ،ولعل السبب الأبرز لهذا التباين هو عدم النص على عدد محدد من الوزارات ما جعل الولاة يعملون على تشكيل الحكومة على أساس المحاصصة ،بالاضافة الى ترهل أجهزة الحكم.
شواهد على التقاطعات…
أفرزت التجربة شواهد على التقاطعات التي حدثت بين الأجهزة المركزية وبعض ولاة الولايات، وهذا الواقع يستدعي مراجعة النصوص الحاكمة لاجراءات تنحي الوالي أو عزله، حيث لم يعط الدستور رئيس الجمهورية حق عزل الوالي ….وقد اضطرت الرئاسة في أكثر من حالة للطلب من الولاة المنتسبين للمؤتمر الوطني التقدم باستقالاتهم للمجالس التشريعية، وإلا فإن البديل سيكون إعلان حالة الطوارئ بتلك الولايات حتى يتسنى عزل الوالي ، ولذلك الإجراء محددات وتبعات دستورية كثيرة ومعقدة.
ومن تلك الشواهد ما تعاني منه ولاية البحر الاحمر من خلاف بين مجلسها التشريعي والوالي بالرغم من سياج السرية والتكتم الذي انتهجه الوطني باعتبار ان الامر في السياق التنظيمي الا ان القضية وصل صداها للمدى البعيد وتم تكوين لجنة للتحقيق في القضية من قبل المركز…. وكان المؤتمر الوطني قد استدعى والي ولاية البحر الأحمر ورئيس المجلس التشريعي بالولاية للخرطوم بعد سحب المجلس الثقة الأسبوع الماضي من وزير الشؤون الاجتماعية بالولاية ورفض الوالي قرار المجلس، مما ادى الى احتدام الخلاف بين الطرفين.
تقاطع المسؤوليات والصلاحيات..
لعل التفاعل الذي حدث على المستوى المحلي ومستوى الولايات والمركز مع القضايا الكبيرة التي شهدها السودان مثال على طبيعة العلاقة الوطيدة والمتوترة أحياناً بين الحكومة المركزية وحكومات الولايات.. فقد دار جدل كثيف حول قدرة الولايات ومدى تهيئتها للاستجابة لقضايا السياسة العامة وإدارة شؤون المواطنين على صعيد الولايات على نحو أفضل… واستقر الأمر على ذلك مع إدراكهم أهمية الدور الذي تلعبه الحكومة المركزية خاصة أثناء الأزمات…
حزمة قوانين مشتركة…

وزير الحكم الاتحاد

وزير الحكم الاتحاد

وافاد المستشار القانوني كنه ل«الصحافة» ان الدستور الانتقالي حدد حزمة من القوانين الولائية والمشتركة على حسب جداول الاختصاصات الحصرية والمشتركة، ووفقا لذلك فقد دفعت وزارة العدل قبل أكثر من سبع سنوات بحوالي «41» قانونا إطاريا للولايات، لكن لبعض التقديرات تم التوجيه بارجاء إجازة هذه القوانين، وبسبب التنازع بين بعض الولايات والمؤسسات الاتحادية طفت على السطح عدد من المشكلات، أبرزها إجازة المجلس التشريعي عام 2005م قانون شرطة المرور والذي نص على إلغاء لائحة المرور التي أصدرها وزير الداخلية وقتها، وقد احدث هذا القانون جدلاً لم يهدأ حتى استقالة رئيس المجلس التشريعي بالقضارف كرم الله عباس الشيخ، وكذلك يمكن الإشارة إلي قانون الزكاة الولائي الذي صدر عن المجلس التشريعي في كل من ولاية نهر النيل والقضارف، ويبقي تصرف والي النيل الأزرق الأسبق مالك عقار مثالا كافيا لتبيان تأثيرات التباين في فهم الاختصاصات الحصرية والمشتركة في تكامل الأدوار بين الأجهزة في المركز والولايات، فقد عمد عقار إلى طرد مدير إدارة الغابات الاتحادية من الولاية مدعيا أن إدارة الغابات شأن ولائي ليس للمركز أن يتدخل فيه… كما أقر وزير ديوان الحكم الاتحادي د. فيصل حسن إبراهيم بأن الحكم الراشد لا يتحقق إلا بالنظر الدقيق للتشريع للمستوى المحلي، بوصفه الأقرب للمواطنين ولفت إلى إعداد دليل لإعداد وتسهيل الخدمات في إطار الحكومة الالكترونية… وشدد قادة المجالس التشريعية الولائية على ضرورة إحلال التخطيط الاستراتيجي وتحقيق المساواة والتقسيم العادل للثروة والموارد بغرض تنفيذ التنمية المطلوبة بين الولايات، ولفتوا الى أن المعوق الأكبر للحكم الراشد عدم التقسيم العادل للثروة بين الولايات.
تداعيات ..
وفي خطوات متسارعة لتقاطعات قرار وزير الاوقاف يتجه النائب البرلماني مصطفى مكي العوض، لتقديم طعن للمحكمة الدستورية، لابطال قرار وزير الارشاد والاوقاف، القاضي بحظر الوعظ الديني في الطرقات العامة والاسواق، فيما دفع بطلب للبرلمان لاستدعاء الوزير واستجوابه بشأن المادة التي استند عليها في قراره. وقال المكي، ان قرار الوزير يتعارض مع الدستور… كما اكدت هيئة علماء السودان انها بصدد تنظيم ندوة كبرى مع أعضاء المجلس الوطني والفعاليات الدعوية المختلفة للخروج بصيغة توافقية حول هذا الامر كما قررت الهيئة الجلوس مع وزير الارشاد لاستجلاء بعض الجوانب المتصلة بالقرار، اضافة الى دعوة الدعاة واهل العلم للجلوس والتفاكر معهم حول القرار مشيرا الى مناخ الحرية في العمل الدعوى الذى ينعم به علماء الامة الاسلامية السودانية على اختلاف مشاربهم في ربوع الوطن العزيز.
والخلافات الدائرة بولاية الجزيرة تتصل بما يسمى تمرد الولايات على المركز أو كما يسميه الولاة «اختلاف في الرؤى بينهم وبين المركز»، وأحيانًا قد يكون رأيًا في قضية أكبر وهي كيف يُحكم السودان وبأي نظام، بما أن الجميع قد اختبر الحكم الفيدرالي منذ فترة طويلة والذي أفرز العديد من حالات الاحتقان بين الولايات والمركز كحالة ايلا وكحالات أخرى مشابهة.
معالجات…
واقترح المستشار القانوني معالجة التقاطعات من خلال إحكام النصوص في قانون إطاري يمنح الولايات حقوقها في الإشراف على أداء الأجهزة الاتحادية ،ويحقق استغلال هذه الأجهزة وفق مقتضيات الدستور وما يحدده قانونها، دون تعارض أو تشاكس. بالاضافة الى مقترح إجراء تعديل دستوري ينص على جواز تقديم مجلس الولايات توصية لرئيس الجمهورية بعزل الوالي حال ثبوت فشله في إدارة شأن الولاية ورعاية مصالح مواطنيها أو الإخلال بأي من الالتزامات الدستورية دون المساس بالاستقلالية ،ولا شك أن هذا التعديل سيعالج مشكلة مدى تبعية الوالي لرئيس الجمهورية دون الإخلال بمبدأ استقلال الولايات وفق دستورها، كما انه يسهم في تعزيز دور مجلس الولايات بحسبانه يمثل الإرادة الجماعية لمواطني الولايات ويناط به فض النزاعات بين مستويات الحكم المختلفة.
وتعد الفيدرالية شكلاً من أشكال الحكم التي ترمي لتحقيق قدر من العدالة والاستقلال للأقاليم المختلفة ضمن اتحاد اكبر يحفظ لها خصوصيتها ويوفر لها تكاملاً في المصالح مع بعضها البعض. والفيدرالية مع ذلك ليست محصنة ضد أشكال النزاع والفساد أو انهيار النظام الديمقراطي ، لكنها مع ذلك مناسبة بشكل واضح لظروف الكثير من البلدان خاصة الديمقراطيات التي بها عدد من السكان أو التي تمتد على مساحات شاسعة من الأرض أو التي توجد بها تعددية كبيرة في السكان… ويبدو أن جدلية المركز والولايات والتي يحملها البعض أسباب أزمات السودان لن تنتهي بحسب بعض المراقبين إن أزمات السودان كلها سببها هيمنة المركز مما يعني خلافا حقيقيا ملموسا بوجود عدم رضى من الولايات بسيطرة المركز على قسمة الإيرادات حتى وإن لم يكن صحيحًا، وقد لا يبرز الصراع بصورة جلية لكنه يبين أكثر في حالة التصريحات المبطنة من الولايات وولاتها، ومن تداخل اختصاص الوزارات الاتحادية والولائية… وسيظهر للعلن إذا لم تحدث معالجات حقيقية، وربما يكون الخلاف مدخلاً حقيقيًا لبحث صورة أخرى أكثر ملاءمة للحكم في البلاد.