دهاليز دون رفقة !

لست أعرف لماذا اضطربت بعض النفوس حينما تسرب شعاع من شائعة او ربما بالونة اختبار عن اعتزام الحكومة اجراء تغيير في مقاعد بعض الولاة. السودانيون في مثل هذه الاخبار مبدعون ، ثقافة التسييس العالية ، وحذاقة ضرب الرمل في مثل هذه الامور يخرج عادة الطبخ مكتمل النضج ، احيانا احس ان مثل هذه التسريبات تتحول بكثرة النقل والتواتر مثل الدلو بكف المستقي ، وما اكثر العطشى ، وما أشد من يضربهم جفاف حلوق الترقب ، وخلافا للمنطق الرسمي ، والنفي الذي أتى شحيحاً فيبدو من غلبة الاماني ان كثيرا من الولاة لا تستلطفهم ولاياتهم وشعوبها ، وبدا جليا في غير انتقاص من سيادة أي منهم او ذمه ان لو ان المركز اصدر في ليلته هذه قرارا اعفى به خمسة ولاة او عشرة لربما كان هذا من موجبات ارتفاع معدلات الرضاء العام عن السلطة ، وبالمناسبة فقد لحظت ان مواعيد ووقائع الاعفاء هذه وليالي «الشيل والرفت» تبث في الناس نشاطا عجيبا ! ولست اعلم هل هذه ذائقة تشفي في اهل السلطان ام من بعض طبع البشر في مثل هذه الطارئات !
بنظرة عجلى ومسح من واقع مردودات الاخبار وجهود الحكومات المحلية الولائية ، فهناك ولاة رابحون ، صمدوا في مظان الأزمات واكملوا وثيق حسن اداء لا يمكن غمطه ، وهؤلاء معروفون ، وفئة اخرى حظها عاثر ، ومجدها غابر ، خلطت عملا صالحا باخر سيئا ، وفئة ثالثة حظها نكد ، ان وافاهم سعد اكتمل عندهم برزية ومصاب وان توقفوا لاخذ انفاسهم كتب عليهم الجري والملاحقة ، وكل هؤلاء مقدر ما هم فيه غير اني اظن ان افدح الولاة اولئك الذين دخلوا وخرجوا ولم يسمع بهم احد، اقصى ظهورهم يوم ان ادوا القسم واستقبلت جموع المواطنين الذين توسموا فيهم خيرا ، ثم سارت الايام فلا هم عملوا او تركوا غيرهم يعمل ، يتجولون في الخرطوم اكثر من أن تطأ اقدامهم رمضاء محلياتهم ، فما اضافوا في فترة حكمهم «طوبة» وانما اقاموا في سيرهم الذاتية «محطة تكليف» قد تجعل لهم في مقبل الايام صعودا الى مرتقى اخر !
مما تابعت من احتفاء الناس بزعم ان هناك تعديلات في «الولاة» صرت اكاد اخشى تعديل قناعتي بحكمة «واسيني الاعرج » ان الموت هو الحالة الاستثنائية التي نمارسها وحيدين، ونعبر دهاليزها بدون رفقة ، موت فرس السلطة المطهم في الولايات فيما يبدو يعبره كثيرون وبرفقة ، مع او ضد ، او هكذا أحسست من حجم الفرح الطاغي ، والارتباك الاكبر والقلق الذي كاد ان يسقط من الحمى التي أصابت البعض ، وكُثر هم «محبو المستحيل الذين يتعذبون لغياب ما تصنعه لهم الظروف وأوهامهم » …؟!.