أيهما أطول عمراً الرجل أم المرأة؟.. الجنس اللطيف هو الأقوى..!

الغذاء الجيد والرياضة والتوازن الاجتماعي أسباب كبرى

ما العمل لنظل في صحة جيدة ونشاط كامل وبأحسن حال ممكن؟ إن البعض منا ينجحون في هذه المهمة أكثر من غيرهم، هل يرجع السبب إلى عوامل وراثية تقرر عمرنا أم يمكننا أن نتعلم «كيف نشيخ»؟ هل ثمة سر لاطالة العمر والبقاء بصحة جيدة؟ ان الشباب هو شباب الرأس والقلب أولاً وأساساً.
ويقول العالم أوليفييه دي لادوسيت إن التقدم في السن من أكثر الآليات التي تفتقد إلى المساواة. إن نظرة سريعة حولنا تكفي لنلاحظ أننا لسنا متساوين متى اجتزنا سن الخمسين، فالبعض منا يعانون الأمرين في حين أن البعض الآخر يبدون بمثابة أبطال حقيقيين.
ما سر المتمتعين بالعمر الطويل والصحة السليمة؟ أهو كامن في أعماق الكروموسومات؟ هل ينجم عن سلوكيات تضفي مناعة معينة ازاء عامل الزمن؟ ان الاعمار بيد الله ، وهو مسبب الاسباب اولا واخيرا .
سنقف الآن أمام مجموعات من الأفراد قد تساعدنا فى استكشاف عناصر ، و المجموعة الأولى هي الأكبر عدداً بما أننا نعني بها النسوة، أي نصف سكان الأرض أو أكثر بقليل، لماذا تعيش نسوة البلدان المتطورة أكثر من رجالها بسنوات عدة؟ ثم سننتقل إلى أوكيناوا، وهي جزيرة رائعة في بحر الصين حيث يبدو أن الزمن قد علق تحليقه فوق رؤوس شيوخها «الأجلاء»، ثم عودة إلى فرنسا بحثاً عن سر المعمرين وأخيراً سنقرب العدسة لمتابعة مجموعة من ينيسوتا مكنتنا من تحديد الدور المذهل الذي تؤديه بعض العوامل الذهنية والنفسية في مجال اطالة العمر.
سر النساء من المؤكد أن الجنس اللطيف هو الأقوى من حيث طول العمر! ففي الدول المتطورة يبلغ الفرق لمصلحة النسوة حوالي ست سنوات وهو الأكبر في فرنسا. ولكن الأمور لم تكن هكذا على الدوام، ولطالما عانت الإناث من زيادة في حجم الوفيات خلال الطفولة المبكرة، لأن الفتاة لم تكن تحظى بالاهتمام اللازم وابان الولادة أيضاً وفي الحقبة الرومانية، كان معدل الأعمار بين النساء لا يتعدى 23 سنة في حين أنه كان 24 سنة بالنسبة إلى الرجال. وابتداء من القرن التاسع عشر ومع التقدم في الرعاية الصحية والتغذية، زادت أعمار النساء، وفي حوالي عام 1850، تعادل الجنسان في حدود الأربعين عاماً وفي بداية القرن العشرين بدأ الفرق يظهر، فكان متوسط العمر المتوقع 47 عاماً للرجال و50 عاماً للنساء، علماً أن النساء كن يتعرضن للموت خلال الولادة. أما اليوم ومع تقدم الطب النسائي تضاءلت أسباب الوفاة النسائية البحتة وكسبت النسوة تقدماً هائلاً لأنهن صرن يعشن مدة أطول فأطول.
لماذا تعمر النسوة أكثر من الرجال؟
أطرح هذا السؤال خلال حديثك مع الناس وسترى ان الاجابة ستكون نمطية على الدوام على طريقة: «هذه مسألة وراثية». «هذه مسألة هرمونات»، «الرجال يعملون أكثر من النساء ويتعرضون لضغوط أكبر»، «النساء ينهكن أزواجهن الذين يفنون أنفسهم من أجلهن!».
وفي الواقع إن التفوق النسائي يرجع إلى أصل بيولوجي واجتماعي على حد سواء.
في ما يخص الناحية البيولوجية، ينبغي البحث عن السبب على مستوى الكرموسومات الأنثوية التي تؤمن للمرأة حماية فعالة ضد أمراض القلب والشرايين وتعطيها مناعة أفضل من مناعة الرجل، وربما كان تفوق المرأة الوراثي ثمرة آلية طبيعية بطيئة انتقت في العصور البشرية الأولى الذكور الأقوى والإناث الأكثر صلابة. وقد تعين على الرجال، من أجل استمرارية الانسانية ، أن يدافعوا عن حريمهم وعن أرضهم ومثلما تعين على النساء أن يقاومن العناء الناجم عن الحمل والولادة وشظف العيش وسوء التغذية، وهكذا، جيلاً بعد جيل، وعبر عملية انتقاء طبيعي، وطدت النسوة جهاز القلب والشرايين وزدن مقاومتهن للضغوط والأمراض المعدية وحسن آليات الدفاع ضد بعض عوامل شيخوخة الخلايا (الجذور الحرة)، وبعد مرور آلاف السنين تحسنت ظروف حياة النسوة بشكل كاف حتى يؤتي هذا التفوق الفسيولوجي المكتسب بثماره وقد يكون هو المسؤول عن الفرق في طول العمر بين الجنسين.
بيد أن التفوق النسائي في مجال العمر لا يمكن أن يفسر بعوامل فسيولوجية فقط. فالشخصية والبيئة الثقافية والسلوكيات المترتبة على الأمر عوامل حاسمة هي أيضاً، فالضرورات النسائية تجبر المرأة على التردد على العيادات الطبية في سن مبكرة، والمرأة أكثر اهتماماً بصحتها وهي تمارس طباً وقائياً من تلقاء ذاتها. أما الرجال المتأثرون بالصور الثقافية الذكورية فلا يذهبون لزيارة الطبيب إلا إذا أجبرهم الألم المبرح على ذلك.
أضف إلى هذا أن مقاييس الجمال السائدة تجبر النساء على مراقبة طريقة طعامهن عن كثب وهن أكثر انتباهاً لأوزانهن ولاجراءات الوقاية المناسبة، في حين أن الرجال لا يرزحون بالدرجة ذاتها تحت هذا الضغط، فتزيد أوزانهم في سن مبكرة، وتتركز الشحوم عند الرجال على مستوى الجذع وبالأخص البطن لتشكل تهديداً حقيقياً لجهاز القلب والشرايين.
كما ينبغي البحث عن أسباب طول العمر عند المرأة في السلوكيات الاجتماعية والحياة العاطفية. وإذ أجبرت المرأة على أن تقسم نفسها بين عدد من الهويات (زوجة، أم، امرأة عاملة…) تمكنت من تطوير مرونة في تنفيذ تلك الأدوار، وحين تصادف صعوبات، تجدها تتمتع بشبكة من العلاقات (أسرة وأصدقاء) أكثر كثافة من تلك التي يتمتع بها الرجل، كما أن المرأة تمتلك سهولة أكبر في التعبير لغوياً عن انفعالاتها وهي مقدرة تمكنها من التأقلم بشكل أفضل من الرجل. كما أن المرأة أكثر يقظة وحذراً من الرجل، لذا فهي تتعرض للمخاطر بدرجة أقل فنجد أن الوفيات قبل سن الخامسة والثلاثين، الناجمة عن حوادث وسلوكيات غير آمنة أكثر انتشاراً بين الرجال.
وخلص الباحثون إلى القول ان طول العمر الاستثنائي لدى سكان أوكيناوا متصل أكثر بأسلوب حياتهم وذهنيتهم، وبعد 27 سنة من الأبحاث متعددة المجالات، حدد الباحثون الخطوط الكبيرة لبرنامج العمر المديد هذا في النقاط التالية:
غذاء يميل إلى النباتي قليل السعرات الحرارية، غني بالأغذية الطازجة والمنتجات البحرية.
ثقافة طبية شديدة الاهتمام بالوقاية من المشكلات الصحية.
الممارسة المنتظمة للتمارين المختلفة: المشي، البستنة، الفنون الحربية.
التزام دائم لدى الكبار في حياة المجتمع عبر العمل في سن متأخرة جداً والانخراط في جمعيات واقتسام الهوايات.
مستوى ممارسة روحية متقدم.
سيطرة فعالة على الضغوط بفضل التأمل والتمارين التنفسية.
إرادة البقاء في حالة ذهنية ايجابية على الرغم من المصاعب والاحتفاظ بالتفاؤل.
هذا التحالف بين الحداثة اليابانية ونمط حياة قديم سمح لسكان أوكيناوا بأن يحرزوا أفضل مستوى صحي في العالم ليضربوا الرقم القياسي في طول العمر، وهذا من شأنه أن يؤكد أن جسمنا قادر على أن يظل ممارساً لوظائفه فترة طويلة جداً شرط توفير الظروف المناسبة له أي تبني السلوكيات المطلوبة.