التراث إبداع أصيل تعتز به الأمة..الزينة الشعبية (تجمل) البيت السوداني..

الخرطوم-البيت الكبير: شيماء أبوعلامة
لطالما كان تراث الأمم ركيزة أساسية من ركائز هويتها الثقافية وعنوان اعتزازها بذاتيها في تاريخها وحاضرها ولطالما كان التراث الثقافي للأمم منبعاً للإلهام ومصدراً للابداع المعاصر ينهل منه فنانوها وأدباؤها وشعراؤها كما مفكروها وفلاسفتها لتأخذ الابداعات الجديدة موقعها في خارطة التراث الثقافي وتتحول في ذاتها تراثاً يربط حاضر الأمة بماضيها، ويعزز حضورها في الساحة الثقافية العالمية… وليس التراث الثقافي معالم وصروحاً وآثاراً فحسب بل هو أيضاً كل ما يؤثر عن أمة من تعبير غير مادي من فولكلور وأغان وموسيقى شعبية وحكايات ومعارف تقليدية تتوارثها الأمة عبر أجيال وعصور وكذا تلك الصروح المعمارية المتعددة والمختلفة، وتلك البقايا المادية من أوان وحلي وملابس ووثائق وكتابات جدارية وغيرها.. إذ كلها تعبر عن روحها ونبض حياتها وثقافتها..
إن التراث هو تراكم خبرة الانسان في حواره مع الطبيعة وحوار الانسان مع الطبيعة يعني التجربة المتبادلة بين الانسان ومحيطه وهذا المحيط الذي يضم حتى الانسان الآخر فرداً كان أم جماعة فالتراث يعني كل مفهوم يتعلق بتاريخ الانسان في تجارب ماضيه وعيشه في حاضره، واطلالته على مستقبله أما التراث الحضاري والثقافي فهو الممتلكات والكنوز التي تركها الأولون حيث هي السند المادي واللامادي للأمم والشعوب من خلالها تستمد جذورها وأصالتها لتضيف لها لبنات أخرى في مسيراتها الحضارية لتحافظ على هويتها وأصالتها..
التراث الذاكرة والبوابة على العالم… كما وصفته اجلال محمد صديق الباحثة وذلك بكتابها (مدخل إلى دراسة السيكولوجيا والسلوك): هي التي تمكننا من فهم العالم واصفة بذلك «ذاكرة التراث» فهي بذلك تربط بين خبرتنا الراهنة ومعارفنا السابقة عن العالم وكيف يعمل ولهذه الذاكرة كما للتراث الثقافي الذي ننادي بالحفاظ عليه علاقة طردية مع الابداع لدى الأفراد والمجتمعات حيث ان لكل شعب موروثاته الخاصة به.. والتي توارثها شفهياً أو عملياً أو عن طريق المحاكاة.. ليكون بمثابة فنون نتجت عن التفاعل ما بين الأفراد والجماعة والبيئة المحيطة خلال الأزمان الماضية ومع مرور الزمن تحولت إلى انتاج جماعي يختزن خبرات الأفراد والجماعات وبقدر ما هو مخيال للجماعة فإنه جدار متين لحفظ هويتها ومحرك لها في الاستمرارية والوجود.
وتقول محررة التقرير شيماء أبو علامة عن الحديث عن مكونات التراث.. يقول الكاتب السوداني محمد أحمد لـ(الصحافة) «إن التراث نحت مسميات عدة لتصب كلها في قالب «التراث الأم» ليشمل التراث الشفوي ويضم الروايات والحكايات والأمثال والألغاز والشعر والموسيقى والرقص الشعبي بكل أنواعه..
التراث المكتوب أحد أنواع التراث ويشمل وثائق ومخطوطات.. مكتبات قديمة.. نصوصا تاريخية.. رسوما على الكهوف. أما التراث المبني يشمل المدن العتيقة.. الأحياء التاريخية.. المساجد.. الزوايا.. الأبواب تحت ما يسمى البوابات التاريخية مثال لها بوابة عبد القيوم والزخارف والنقوش..
أما التراث المنقول فهو قطع أثرية كالنقود والحلي الأواني الخزفية.. الأسلحة القديمة.. وسائل شخصية لعظماء تاريخين وغيرها من الأدوات المنزلية والفلاحية والحرفية وقد تجدها محفوظة في المتاحف… حيث يذهب الكاتب محمد إلى أبعد من ذلك فيرى أن التراث الشعبي ابداع عفوي أصيل يحمل ملامح الشعب ويحفظ سماته ويؤكد عراقته ويعبر عن همومه اليومية ومعاناة أفراده على مختلف مستوياتهم وصوره لروحهم العامة وشعورهم المشترك..
ومن مكونات التراث إلى هويته مستهلاً بذلك حديثه الأستاذ صالح عثمان ان الهوية مأخوذة من «هو» بمعنى جوهر الشيء وحقيقته إنها كالبصمة للانسان يميز بها عن غيره فالهوية الثقافية تعني التفرد الثقافي بكل ما يتضمنه معنى الثقافة من عادات وأنماط وسلوك وميل وقيم ونظرة إلى الكون والحياة وهذا ما عبَّر عنه صالح بالقول: «إن أهواء الهوية متجذرة فينا بعمق وليس هناك أي شعب يعاني منها أكثر من شعب آخر».
وعلاقة الانسان العربي وبالذات السوداني بتراثه علاقة عضوية حيث إن هويته القومية برمتها تتغذى على ذلك أي من التراث لارتباطه في وعيه بأبعاد حضارية وتجارية وتاريخية ودينية وسياسية على حد سواء متعلقة بما يختزنه ماضيه من انجازات عملية وفلسفية وأدبية أشد من تعلق أي انسان آخر بتراثه شرقاً وغرباً» وذلك على حد تعبيره.
الدكتور حسن أحمد الفاتح أضاف ان الانسان السوداني ينتمي انتماءاً كلياً إلى تراثه ويتماهى فيه معنوياً دون تحفظ حيث يشعر بأن تعلقه به هو امتداد لتعلقه بتصوره للدنيا والكون وحتى لما بعد الحياة فيتخذ التراث بعداً روحانياً ونفسياً مما يضعه خارج دائرة التفكير وداخل دائرة التقليد فالمساس بالتراث غير وارد عنده وكذلك مساءلته إذ ان هذا التراث قيمة عليا عنده يتعامل معها بشكل مثالي لكن هذه المثالية تبدأ بتجميد هذا التراث..
وتقول شيماء في تقريرها ان كل الأمم تعتز بتراثها.. وقد استطلعت (الصحافة) بعض المخضرمين الذين عاشوا في قلب عصر التنوير الثقافي للتراث وهم فئة تنحصر بين 75 عاماً فما فوق حيث كان التراث هو شريان الحياة لا غنى عنه وذلك يظهر جلياً في أدواتهم العادة المنتشرة الثقافة المتداولة.. نأتي لتخبرنا آمنة عوض الكريم والتي أخبرتنا ببساطة عن أدوات المطبخ المستعملة فيه والتي أصبحت الآن مظهرا من مظاهر الزينة لا غير فقدت روحها فأصبحت جثة هامدة بلا حراك على حد تعبيرها… المشلعيب من أبرز عناصر الفولكور والتراث السوداني وهو بمثابة الثلاجة قديماً وقد كان علامة مميزة لأي بيت سوداني حيث يصنع من سعف النخيل في شكل بيضاوي ويعلق على سقف التكل «المطبخ» أو الراكوبة على حد وصفها وتقول مكملة الوصف إن المشلعيب كان مريحاً بالنسبة لربات البيوت لأنه يحفظ الأطعمة والمواد الضرورية..
بينما قالت الحاجة مدينة عبد الرحيم عن التكل، القرقريبة، المشلعيب الطباق مجملة إياها انها أدوات تراثية سودانية تجسد تماماً التراث السوداني وتتوسع الحاجة مدينة في الوصف ان «التكل» هو المطبخ في البيت السوداني على أيام زمان وهو غرفة في غاية البساطة بها نوافذ صغيرة تسمى طاقات حيث يحتوي على مطحنة الذرة وتسمى المرحاكة وهي عبارة عن قطعة حجر كبيرة يدفن جزؤها الأسفل بالأرض.. المدق يسمى الفندك، وهو مصنوع من خشب جزوع الأشجار وتستخدم المرحاكة كبديل للطواحين على حد تعبيرها.. أما عن «القرقريبة» واصفة إياها انها طارحة الكسرة تستعمل في توزيع وجبة الكسرة «الوجبة الشعبية الأم» لدى السودانيين ببساطة انها تصنع من السعف في صورة مربعة أو مستطيلة تأخذ أحياناً أشكالاً هندسية.. ومن أدوات الطبخ في ذلك الوقت «الدوراية» وهي إناء فخاري صغير يستخدم لطبخ الملاح بالإضافة للمفراكة التي تشبه أدوات الخلط.. أما عن الطبق إناء مسطح يستخدم لوضع الكسرة والخضروات ويصنع من السعف الملون..
وما تزال المرأة في الأرياف تحتفظ بالتكل السوداني على عكس ما طرأ من تطور في المطبخ الحديث على حد وصف الحاجة مدينة وكان ذلك بنبرة أسف..
أما الفنوس أو الفوانيس.. البروش.. والكثير من الكنوز الأثرية الجميلة تتحدث عن جمال واناقة الماضي يتربع على عرشها القدح الإناء الأساسي للوجبات..
ومني أنا ان التراث بترانيم حروفه فالتاء هي للتفاؤل أما الراء فهي الرفعة والعلو آنذاك لهذا التراث من سمو المعنى يعينه الألف الذي يلي الراء في ذلك لنختمها بالثواب الذي يخرج من الثاء بنهاية الكلمة فهو بركة الماضي والحاضر والمستقبل.