اللئيم لايعالجه الكرم

إن هذه الحياة تعلم المرء ماهى أخلاق الرجال ، وكيف يتم التعامل مع مختلف الأنماط منهم ، وسبحان الله الذي جعل من البصيرة النافذة أداة للكشف عن خصائص البشر حتى وإن كانت التجربة والمعايشة معهم على نحوٍ من القصر .
فمن النَّاس من لايغيره منصبٌ ، أو يمسه التكبر والتعالي ، إذا حاز على ثروة ، أو نال مركزاً مرموقاً في المجتمع وفيما يبدو بأن الذين تظل طبيعتهم كما هي ، دون تأثير يطرأ عليها بفعل متغيرات مادية ، أو ظروف استثنائية ، قد أُصِّلت في تربيتهم ، وسلوكهم المعاني ، والقيم ، وشربوا من معين الطهارة منذ نعومة الأظافر ، وأصبحوا كالذهب الذي لا تزيده النَّار إلا لمعاناً وجودة .
ولقد رأيت كيف يكون المرء محتملاً للغنى ، والفقر بحيث يستوي الحالان ، وهذه هي خصائص المؤمن لأن أمره كله خير ، إذا أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإذا أصابته ضراء صبر ، فكان خيراً له ، ولا يكون ذلك إلا للمؤمن .
ويحسب البعض بأن الذين جبلوا على اللؤم يمكن أن تعالج أدواؤهم بالكرم إليهم ، والتجمل معهم في المجاملات أفراحاً كانت ، أو أتراحاً ، ولكن بحسب التجربة ، فإن الذي تجذرت في طباعه خصائص المكر ، وإتجاهات اللؤم ، من الصعب أن يتغير مهما أجزل له من العطاء ، بل قد يكون العطاء الذي يقدم له حافزاً نحو المزيد من سوء الطباع ويهيئه نحو حبك المؤامرات ، ونسج مختلف أنواع الدسائس ، وهذا يذكرنى يقول الشاعر :
إن أنت أكرمت الكريم ملكته ،،،،،،،،،،،،،،،،،،، وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
وفي واقعنا المعاصر ، كان أهل السودان ، قد رحبوا بكرم فياض ، وإستبشروا بخير وفير عندما ظنوا بأن حرب الجنوب ستضع أوزارها بتوقيع إتفاقيةعنونت بعبارات إتفاقية السلام الشامل ، ولكن للأسف الشديد ، ولا أدرى ، عما إذا كان الذين وقعوها ، يعلمون بأنَّ الذى ساقهم نحو ذلك ، هو الكرم ، أم الخضوع لضغط الضاغطين ، أم هي دبلوماسية الإنحناء للعواصف بحسبان أنها ستهدأ ، علماً بأن هذا الزمان لايعلم معظمنا بأن عواصفه قد تهدأ ، لكنها لا تلبث أن تعصف بالشجر ، والبشر ، والمساكن من جديد .
وإذا كان الكرم الحاتمي هو الذي قادنا نحو مهر إتفاقية السلام الشامل ، فعلينا أن ندرك الآن ، بأنه كرمٌ في غير موضعه ، وميثاق مع طرف لئيم ، كلما منحته من الذي يليك ، سال لعابه إلى ما تملك .
وإننا لم نتعلم من التجربة التي خضناها في الفترة الإنتقالية التي تقاسمت معنا فيها الحركة الشعبية حكم هذه البلاد شمالاً وجنوباً ، حيث كانوا شركاء في جميع السودان ، وملاكا لنصفه فلم يقدموا خدمة ولو متواضعة للنصف الآخر ، ويكفيٍ أنهم تآمروا مع الأمريكان ، وبددوا ثروات البلاد، وإستمتعوابإمتيازات المناصب وإمكانيات الدولة ، ثم واصلوا ذات المسيرة في أقصى درجات اللؤم عندما حدث الإنفصال .
وأعظم الدروس ، إن كان الوعي الذي غاب ، قد حلَّ بعقولنا بعد تلك التجربة المديدة ، هو أن ندرك بأن أكوام اللؤم ، وسوء الطباع ، وفساد الطوية ، لا تعالج بالكرم ، وإنما العلاج الشافي يتم بالاجتثاث من الجذور ، وليس بالسقاية ، والعناية لتكون النتيجة أشجاراً خبيثة تسد علينا الآفاق .