ونسة شعبية جدًا

أعرف أن بمدينة أم درمان القديمة شارعا يسمى شارع ود البصير ، وأعلم أيضا أن ود البصير هذا هو أحد رجالات المهدية الذين أبلوا فيها بلاء حسنا ، ولكني لست على يقين ما اذا كان هنالك دكان على هذا الشارع يحمل اسمه ،الا أنني استطيع الجزم بأن كل مدينة أو قرية في السودان فيها دكان لود البصيرعلى غرار دكان ود البصير ذلك البرنامج الاذاعي الشعبي الناجح الذي ظل يعده على مدى سنوات طويلة استاذنا عبدالمطلب الفحل، وتشارك في تقديمه مجموعة من مشاهير الدراما السودانية ..في مثل هذه الدكاكين المنتشرة على طول البلاد وعرضها يجتمع نفر من أهل الحي كل مساء يتداولون حول قضايا شتى ويتآنسون في مواضيع مختلفة ، تارة يسودهم الصمت والوجوم ، وتارة أخرى تنطلق ضحكاتهم مجلجلة ، ومرات يحتدم الجدل بينهم اذا تباينت آراؤهم حول أمر ما ، ولكنهم في النهاية يتصافون ويودع بعضهم بعضا ويأوون الى بيوتهم على وعد باللقاء في مساء اليوم التالي لاكمال ما لم يكتمل من أنس وحديث ولابتدار النقاش حول مواضيع جديدة تأتي هكذا عفو الخاطر وليدة اللحظة بلا سكرتاريا تعد الاجندة وترتب الأولويات ، وبلا رئيس معين أو منتخب لهذا البرلمان الشعبي المصغر يتحكم في توزيع الفرص يمالي من يمالي ويتجاهل من لا يروقه حديثه ، ولا تصدر عنه قرارات ملزمة لأي جهة ، ولكن مداولاته رغم ذلك تخلص الى بلورة اتجاه عام يجد الاحترام من الجميع ..
في حينا واحد من مثل هذه الدكاكين التي قد يبدأ الاجتماع حول باحتها بنقاش ساخن حول مباراة في كرة القدم ثم يتشعب الى أمور أخرى سياسية واقتصادية واجتماعية لا يتعاطونها كما يتعاطاها محترفو السياسة وعلماء الاجتماع ، وانما بالطريقة والأسلوب الشعبي البسيط ، فالسياسة عندهم هي خدمة الناس ورعاية شؤونهم وتفقد أحوالهم والسهر على راحتهم ، وهي البساطة والتواضع والعدل المنصف والأخلاق العالية ، يفهمونها مثل فهمهم للمثل السائر ( سيد القوم خادمهم ) ، والاقتصاد عندهم هو ( قفة الملاح ) وحافلة المواصلات وجرعة الدواء وتعليم الأبناء ، والاجتماع بنظرهم هو أن يعيشوا متحابين متزاورين متضامنين ومتكافلين ..في دكان حينا هذا وأنا اغشاه قريبا من منتصف الليل لقضاء حاجة لي طرق أذني حديث وقور من كهل أكثر وقارا والبقية يتابعونه في صمت واستحسان ، كان الرجل يتحدث بأسى وحرقة عن المعاناة التي لا يكابدها وحده وانما الكثيرون على طريقة ( الشر يعم ) في مقابل رفاهية يتمتع بها قليلون على طريقة ( الخير يخص ) ، وبعد أن أفاض الرجل واسترسل في توصيف هذه الحال بدأ في طرح جملة من الاستفهامات الاستنكارية من مثل الا يوجد في هذا البلد حكماء؟ ، أليس فينا عقلاء؟ ، أين كبارنا الا يستشعرون الخطر؟ ، لماذا لا يتسامون فوق صراعاتهم وخلافاتهم التي لم تورثنا غير الشقاء والتعاسة؟ ، فيم يصطرع هؤلاء الناس والوطن يئن والشعب يتأوه ، الا يمكنهم تناسي عصبياتهم الجهوية والقبلية والتخلي عن انتماءاتهم السياسية والايدلوجية ولو لحين ، ويتنادون الى كلمة سواء ويتراضون على برنامج حد أدنى ينقذ البلد قبل أن يضيعوا هم قبله؟ ، ثم زفر الرجل زفرة حرى ووضع رأسه بين كفيه وصمت ..