هل ستجهض الديون أحلام النهضة الافريقية؟

كتبنا في الاسبوع الماضي في هذه الصحيفة مقالاً بعنوان « لماذا يجب على السودان ان يعزز علاقاته اكثر بالدول الافريقية»؟ وقلنا في ذلك المقال ان من الاسباب التي تستوجب ان يكون السودان اكثر اهتماماً بافريقيا انه وخلال المرحلة المقبلة ستصبح افريقيا هي قارة المستقبل من الناحية الاقتصادية،وان القرن الحادي والعشرين هو قرن أفريقيا بلا منازع ، لانها تمتلك حسب تقارير عالمية – ثلث احتياطي الثروات المنجمية في العالم« نحو 40 في المئة من احتياطي الذهب في العالم، وحوالى 90 في المئة من البلاتين والكروم، كما أنها تضم خُمس احتياطي الماس،إضافة إلى 30%من احتياطي اليورانيوم و 6.6% من الغاز الطبيعي » ،وفي مجال الطاقة تحوز أفريقيا 12 في المئة من احتياطيات النفط في العالم،وفي مجال الغذاء،فان 60 في المئة من أراضيها صالحة للزراعة .
وذكرنا في مقالنا السابق ان القارة الافريقية اصبحت الان قبلة للمستثمرين الدوليين، حيث ارتفع حجم الاستثمارالأجنبي المباشر في أفريقيا من 15 مليار دولار عام 2002 إلى 37 مليار عام 2006 وإلى 46 ملياراً عام 2012،ووصل عام 2013 إلى 57 مليار دولار بارتفاع نسبته 4 في المئة، وقد تصبح القارة الافريقية حسب الخبراء الاقتصاديين – من أكثر المناطق مساهمة في النمو الاقتصادي العالمي، وسوف يزيد الناتج المحلي لدول افريقيا جنوب الصحراء أفريقيا بحوالي 12 تريليون دولار بحلول 2050 عام .
ما نريد ان نستدركه في هذا المقال هو ان الطريق لأن تصبح افريقيا قارة المستقبل ليس مفروشاً بالورود بل تعترضه عقبات كاداء ، ومن أهم هذه العقبات الديون الثقيلة التي ترزح تحتها الدول الافريقية والتي تحطمت عليها كل المحاولات الافريقية السابقة للنهوض . لقد أوضحت تقارير اقتصادية ان حجم الدين الإجمالي المستحق على الدول الافريقية يتصاعد بنحو يزيد عن 4.4 مليار دولار سنويا، وان مشكلة الديون الخارجية هي أحدى المعوقات الأساسية لعمليات التنمية والنمو الاقتصادي والاستثمار يفيد القارة خاصة الدول ذات الدخل المنخفض منها.
لقد زادت الديون الافريقية خلال اقل من عقدين من 110 مليارات دولار الى اكثر من 350 مليار دولار بما يمثل 65% من الناتج المحلي الاجمالي للقارة الافريقية ، واصبح اجمالي خدمة الدين الذي تدفعه افريقيا للدائنين يعادل ضعف انفاقها على التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية عامة .
وتشير شبكة جوبيلي لالغاءالديون الى ان القارة تدفع 40 مليون دولار يوميا« 14 بليون دولار سنويا »لفوائد الديون، وانه – بسبب توجيه الموارد لخدمة الديون واهم الخدمات الاجتماعية يموت 19 الف طفل يومياً في افريقيا جنوب الصحراء.
وتتمثل المشكلة الكبرى للديون بشكل عام في الشروط القاسية والفوائد الكبيرة التي يضعها الدائنون على القروض مما يجعلها تتضاعف مرات عديدة ، فعلى سبيل المثال اقترضت جامايكا في سبعينيات القرن الماضي 18.5 مليار دولار امريكي، ودفعت 19.8 مليار دولار ولاتزال المدينة بحوالي ثمانية مليارات دولار، وفي ذات الفترة تقريباً اقترضت الفلبين 110 مليارات دولار ودفعت 125 مليار دولارولاتزال مدينة بمبلغ 45 مليار دولار . في افريقيا اقترضت نيجيريا – مثلا – 10 بلايين دولار وصلت مطلع هذا القرن الى 35 مليارا ولم تنعكس على حياة المواطنين حيث يقدر البنك الدولي ان 66% من الشعب النيجيري يعيش على اقل من دولار واحد في اليوم،وظلت نيجيريا لفترة طويلة تدفع لفوائد الديون اكثر من ميزانيتها المخصصة للصحة والتعليم وكافة الخدمات الاجتماعية الأخرى.
لقد اتضح بشكل جلي ان المستفيد من هذه الديون ليست هي الدول المقترضة ، بل هي شركات الدول المقرضة ، وتوصل الخبراء الماليون الى أن اغلب ديون العالم النامي هي ديون بغيضة «Odious Debt » نشأت من علاقة استعمارية امبريالية ، ففي اطار الضغوط التي يمارسها الدائنون ومحاولات الدول النامية تسديد التزاماتها حدثت تحولات خطيرة في القطاعات الاقتصادية لهذه الدول ، وتحولت موارد البترول والمعادن والاخشاب وكافة الموارد الاقتصادية للدول النامية الى موارد مفتوحة للاستغلال من اجل خدمة فوائد الديون ، وتحولت الزراعة المعيشية الى زراعة للسلع التي يحتاجها الدائنون ، وارتبكت اولويات التنمية وتبدلت قسرا- القطاعات الانتاجية والعملية الانتاجية برمتها .
ولكن هل على الدول المدينة ان تبيع ممتلكات القطاع العام وتخفض الاجور والرواتب التقاعدية ، وتوجه الموارد الطبيعية وتتوقف عن تقديم الخدمات العامة لمواطنيها من أجل توفير قروض الديون المطلوبة منها ؟
في الواقع برز اتجاه قوي لمناهضة تسديد مثل هذه الديون في الدول النامية باعتبار ان اغلب هذه الديون كانت غير شرعية اعطيت لحكومات الدول النامية بشروط مجحفة وقبلتها حكومات هذه الدول تحت ضغط الحاجة الملحة في اعقاب الاستقلال ، كما ان بعض هذه الديون يمكن ان تصنف على انها ديون بغيضة ، وهو مصطلح قانوني يشير الى الديون التي تولدت خلافاً لمصلحة الدولة ، فاذا تورطت سلطة استبدادية بدين هو ليس من احتياجات الدولة او في مصلحتها بل من اجل تقوية حكمها الاستبدادي او لقمع السكان الذين يناضلون ضدها ، فان هذا الدين بغيض «مطعون به» لجميع سكان الدولة ،وبالتالي فإن هذا الدين ليس التزاماً للأمة، انه دين على النظام او دين شخصي للسلطة التي اقترضته ، ومن ثم فهو يسقط مع سقوط هذه السلطة ، مثل هذه الديون لا يستوفي احد الشروط التي تقرر شرعية ديون الدولة وهو أن ديون الدولة يجب أن تحصل لتلبية احتياجات الدولة ولصالحها ، وأن تستخدم الاموال المترتبة عنه لهذا الغرض.
تتزايد يوما بعد يوم الحركات المناهضة للديون، وترفع بعض هذه الحركات شعار « لست مديناً … لن أدفع « باعتبار ان الكثير من هذه الديون لم يكن عادلاً، وبعض هذه الديون تضمن ممارسات خادعة او غير قانونية، لذلك يطلق البعض عليها اسم الديون غير الشرعية .
والتاريخ ملئ بالشواهد حول محاولات الغاء الديون من جانب واحد ، فعلى سبيل المثال ، رفضت حكومة روسيا « البلشفية « سنة 1918م تسديد ديون « روسيا القيصرية : بحجة انها « منحت لدعم المجازر « ، كما رفضت المكسيك الاستمرار في دفع ديونها سنة 1914 ودخلت في مفاوضات مع الدائنين انتهت الى تنازل الدائنين عن 80% من القروض ، وكذلك فعلت البرازيل التي ابرمت اتفاقاً مع الدائنين انتهى الى تقليص ديونها الى 30% ، ورفضت تركيا – مطلع القرن العشرين – دفع ديونها لروسيا وأيدتها محكمة التحكيم الدائمة بلاهاي ، وقبلت المحكمة دفوع كوستاريكا عام 1923م بعدم التزامها بدفع ديونها بحجة انها « استخدمت في اغراض غير مشروعة « ، والغى اتفاق لندن سنة 1953م نسبة 51% من ديون المانيا .
وحديثاً ، قررت الارجنتين عام 2001 في اعقاب حالة الركود التي اجتاحت البلاد، تعليق تسديد جزء من ديونها يبلغ 90 مليار دولار ووجهت هذه الاموال للاستثمار في القطاعات الاجتماعية ، وتعويض العاطلين عن العمل ،وفي الاكوادور اعلنت الحكومة في عام 2007 عن تكوين لجنة من الخبراء لتدقيق الدين العام وقد توصلت اللجنة الى عدم شرعية تلك الديون وانها تنتهك القواعد الاساسية وبناء على هذا التقرير اعلنت الحكومة انها لن تسدد الديون التي عليها، وبالفعل اتخذت اجراءات ناجحة في هذا الصدد اذ وفرت ما قيمته 2.2 مليار دولار اضافة الى 2 مليون دولار من الفوائد سنوياً من العام 2008 الى العام 2030 ووجهت هذه الموارد للنفقات الاجتماعية كالصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية ، وخصص جزء منها لتطوير البنيات التحتية،وفي ايسلندا رفضت الحكومة الايسلندية تسديد الديون التي تطالبها بها المملكة المتحدة وهولندا ، وعلى الرغم من الضغوط التي تعرضت لها ووضعها ضمن لائحة الارهاب وتجميد اصولها المالية في المملكة المتحدة ، الا ان ايسلندا خرجت من هذه المعركة منتصرة ، وابان ازمتها المالية ، شرعت اليونان من خلال لجنة حقيقة الدين العام ، لفحص والتأكد من شرعية الديون العامة التي اوصلت البلاد الى حافة الانهيار .
وقاد الزعماء الافارقة من بعده جهودا مقدرة لالغاء الديون عن كاهل الشعوب الافريقية مثل الزعيم الافريقي نلسون مانديلا ، والرئيس النيجيري اوباسانجو غيرهم ، ورغم اعفاء بعض الدول من ديونها فلا تزال اغلب الدول الافريقية ترزح تحت وطأة الديون التي تشكل عقبة كأداء في طريق تقدمها ونموها ، فهل تستطيع افريقيا الخروج من هذا المأزق التاريخي لتكون بالفعل قارة المستقبل ؟ ام ان الديون ستجهض اخر الاحلام الافريقية في النهوض والريادة ؟.