شاهد علي قبر الراحلة .. جنـــــــازة علــــــى بســــــــاط السياســـــــــة

الخرطوم : فاطمة رابح

انزعج الشارع العام أثناء تشييع فقيدة البلاد فاطمة أحمد إبراهيم وعمت حالة من السخط والاستنكار علي خلفية تصرفات لمجموعة من شباب الحزب الشيوعي الذين اعترضوا النائب الاول لرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء القومي بكري حسن صالح ووالي الخرطوم عبد الرحيم محمد حسين ووالي شمال كردفان أحمد هارون اثناء مشاركتهم في تشييع جثمان الراحلة فاطمة أحمد ابراهيم الي مثواها الأخير بمقابر ام درمان ، و سادت الشارع العام حالة من عدم الرضا والشعور بالحزن العميق لمآلات المناسبة ذات اللون الاسود واستغلالها فرصة سانحة للظهور السياسي من باب ابراز العداء للسلطة وقالوا ان ذلك المشهد في حارة الأموات يمثل خروجا صريحا عن القيم والاعراف والتقاليد السودانية السمحاء التي قل ما توجد في شعوب العالم بخلاف ان ما حدث يمثل منعطفا اخر للشكل الذي ربما ستمضي فيه الكوادر الناشئة للأحزاب السياسية وإدارة علاقتهما الاجتماعية بصورة عدائية بعيدا عن تلك الصورة الحسنة التي كانت سائدة بين الخصوم السياسيين في بلد متعدد الاتجاهات السياسية ومترامي الأطراف ، وبالتالي فإن الطريق سيكون ممهدا لدعاة المشاكل وإثارة النعرات اللفظية إن لم يحسمها الكبار بالقدر المطلوب .

استيــــــــــــــــــــــــــــــــاء شعبــــــــــــــــــي ، وانتقــــــــــــــــــــــــــــــادات واسعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة

وباعتبار أن الموقف كان مخجلا للغاية فقد سارع عميد الأسرة اللواء عبد العال محمد لإصدار بيان يعتذر فيه عما بدر من تلك الفئة التي لاتمت للأسرة بصلة واعتبر ما حدث من هتافات مناوئة للنظام لاتليق بالفقيدة والعادات والتقاليد السودانية السمحة ، وزاد البيان أن ماتم وصمة عار في جبين الأسرة ونقطة سوداء في سيرة الراحلة كما شكر البيان مؤسسة الرئاسة لفتحها قنوات الاتصال إلي جانب تقديم الدعم والتسهيلات منذ وصول الجثمان وحتي مواراته الثري.
وبمجرد حدوث ذلك الموقف فقد جرت مجادلات ومساجلات بين الناس أكثرها جاء رافضا للممارسات التي تمت كما اتسعت دائرة النقد الموجه للحزب الشيوعي وقياداته التي صمتت من توجيه تعنيف لسلوك كوادرها أو التبرؤ من الفعلة إن كان الفاعلون لا ينتمون إلي الحزب الأمر الذي جعل عددا من نشطاء الوسائل الحديثة المطالبة بالقبض علي شباب الحزب الشيوعي من لهم يد في ذلك وتقديمهم للمحاسبة القانونية بحكم عملية التعدي علي شخصيات بدون وجه حق.
وماحدث نبش رواة عصر مواقف تاريخية لبعض الشيوعيين حيث كان مات اغلب قادة الحزب اما مطرودا او معزولا او متهما ، فقد كان مصير عوض عبدالرازق ثاني سكرتير عام للحزب الاتهام والابعاد لمجرد خلاف فكري ، ونفي وبعد اعوام تبين ان الحزب عمل علي اغتيال قيادته ، بل ان السكرتير الاول للحزب عبدالوهاب زين العابدين الذي انحاز لاراء عوض لاقي ذات المصير بالاقصاء والتصفية ولم يسلم حتي عثمان محجوب «شقيق عبدالخالق» .
وقال شيبون في مرافعته «رفعوا سلاحهم في وجهي وضربني من كنت أعلمه الرماية حتي اشتد منه الساعد وأدار لي آخرون الأكتاف الباردة التي تبينت أنها لم تكن ساخنة في يوم من الأيام«، تلك نفثات حرى للشاعر محمد عبد الرحمن شيبون الذي طرده الحزب الشيوعي عام 1951م ، ومات شيبون حيث وجد مشنوقاً في داره، وتلك ربما سابقة في حالات الانتحار السياسي في السودان، وقد وصف الشاعر صلاح أحمد ابراهيم موقف الحزب الشيوعي تجاه الشاعر شيبون انه بمثابة مثال مطلق عن «خساسة وضعة» ، بل ان التنكر للقيادات سمة عامة للحزب الشيوعي فقد روى سكرتير الحزب الشيوعي عبدالخالق محجوب في كتابه «لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني» أن القيادة الأولي اختزلت التعليم الماركسي في بعض النصوص الجامدة، ولم تدرس أوضاع البلاد أو تحاول دراسة واقع البلاد من الزاوية الماركسية، ولم تتجه لبناء الحزب وسط الطبقة العاملة، ولم تضع لائحة تحكم الأعضاء بل اعتمدت علي الاتجاهات الشخصية.
وذكر أنه «وفي الديمقراطية الثانية «1964 – 1969» تم طرد نواب الحزب الشيوعي المنتخبين من قبة البرلمان بسبب دعاوي تجرؤ طالب يتبع للحزب علي سب أم المؤمنين السيدة عائشة زوجة النبي محمد صلى الله عليه وسلم «.
وقبل ان تدفن المرحومه في بلدها وبين تراب اهلها معززة مكرمة ارسل الخبير في منظمات المجتمع المدني ببريطانيا صلاح بندر خبرا وقع علي الأذان مثل الصاعقة ليخبرنا أنها كانت تعاني الوحشة في غرفة 5 لدار العجزة وعانت من تجاهل الحزب الشيوعي وموقفه المخذي تجاه الراحلة فاطمة أحمد إبراهيم إلي أن استقر بها المقام في دار العجزة في بيرمنجهام ، واوضح بندر انه كان عضواً منتخباً للمجلس البلدي لمدينة كيمبردج وان احد مسؤولياته كانت الخدمات الاجتماعية وخبرته التي تمتد إلي 20 عاما في المجال حيث كان يزور الراحلة واعتبر ما حدث معها لا يليق بانسان مناضل وهب حياته لقضية التغيير ثم محاولة حزبه توظيفه لكسب سياسي بعد موته ، وقال إن الحزب دفع 4500 جنيه استرليني ايجار لقاعة مع خدماتها في فندق خمسة نجوم في وسط لندن ليتلقى العزاء ولكنهم لم يكلفوا انفسهم زيارتها أو العناية بها وهي التي كانت تعاني من وحشتها في دار العجزة|.
ويعتقد الكاتب الصحفي حيدر أحمد خير الله أن الراحلة ضربت اروع الامثال في الوطنية وارست اعلي القيم في الاعتراض السياسي بجسارة المواقف وقوة الارادة والترفع عن الدنايا السياسية ،فما عرفنا عنها هبوط عبارة ولا سقوط كلمات ولا هشاشة مواقف ،كانت انسانيتها الغلابة تجعل للاعتراض السياسي مذاقا خاصا، وللاختلاف ادبا خاصا، وللحوار معان خاصة ، فليس غريبا ان يتنادى لتشييعيها اهل السودان فقد حرموا منها عندما اختارت المنافي مأوى لها فكانت عطشى، وقال لم نكن ننتظر من المعارضة ان تتخير المناسبات بحثا عن طريقة ، فهو امر مؤسف ومحزن فالسيد رئيس الوزراء و والي الخرطوم قد قاما بالعمل الذي يفخر به كل السودان وهو الاحتفاء بفاطمة وتشييعها لمثواها الاخير فإن ظن اصحاب الصبينة السياسية ان هذه الهتافات التي تخرج من المقابر ستسقط النظام فإنه من الافضل ان نذهب مع فاطمة الي مثواها الاخير بدلا من انتظار هذه المعارضة البائسة .
واشار الي انه عندما سمع الاستاذ محمد أحمد محجوب رئيس وزراء السودان الاسبق بنبأ اعدام نميري للشهداء عبد الخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ وغيرهم في مذبحة الحزب الشيوعي السوداني قال المحجوب :»الان انتهي عهد التسامح السياسي في السودان» .
واشارت عدد من التعليقات الي ان ماحدث يؤكد ذهاب التعامل مع البعض بطيبة لاسيما قبيلة السياسيين حيث شهد التاريخ عددا من المواقف السمحاء تحدث بين الخصماء بدون عداوة تذكر وكيف أن المحجوب ومبارك زروق كانا يتخاصمان في النهار في جلسات البرلمان ثم يقضيان المساء معا في ود وانس.
وتساءل حمدي هلالي في احدى كتاباته عن اين الأقلام حينما كانت فاطمة أحمد إبراهيم تعاني الوحدة. وكرر السؤال لماذا لم تقف معها وتواسيها وتخفف عنها جزءاً من ويلات الغربة ومرارتها… بل ظهرت فجأة لترفعها الي مصاف الأنبياء وأنصاف الألهة… فماذا يستفيد الميت من كل هذا؟
وأشار محمد علي الكاتب الصحفي إلي عدم واقعة سقوط الفريق ابراهيم عبود وثورة 21 أكتوبر بانها قد جرت في أجواء من الاحترام المتبادل بين ممثلي الشعب المنتصر والجنرال الذي خسر الحكم بعد أن اطاحه الشعب الذي انخرط في مراسم إعادة الحقوق وتسليم السلطة بروح وهمة عالية تعلو وجهه ابتسامة عريضة .
في صبيحة السادس من أبريل من العام 1985 احتشدت أعداد رهيبة من المواطنين في وسط حي كوبر خارج سجنها العريق تردد الهتاف وأناشيد الفرحة وعلي بعد امتار كان يقع منزل اللواء عمر محمد الطيب نائب النميري وعلي الناحية الأخري من الشارع منزل مساعد الرئيس الراحل المقيم الرشيد الطاهر بكر المحامي ولم يعبر متظاهر واحد إلي الناحية الأخري من الشارع حيث منازل هذه الشخصيات التي كانت تتولى مناصب رفيعة في النظام وفي ذلك العصر يدرك أن تلك المنازل مملوكة لقادة النظام الذي أسقطوه في صباح ذلك اليوم ولكنهم كانوا يدركون أيضا أن بداخلها أناس آخرين يعتبرون في عداد « الحرمات» التي لا يجوز المساس بها باي حال من الأحوال وانفضت تلك الجموع ولم ينطلق حجر طائش نحو تلك الأنحاء وفي قاهرة التسعينات التي كانت بمثابة القيادة المركزية لأنشطة المعارضة السودانية التي توزعت علي عدد من دول الجوار وأنحاء أخري من بلاد العرب والعجم كان مكتب حزب الأمة يتوسط مدينة القاهرة في عمارة الثورة العريقة والقديمة وكان المكتب المذكور أشبه بخلية النحل منذ الصباح الباكر وحتي نهاية اليوم وكان يرتاده الإعلاميون من صحافة تلك الأيام وملتقي لكل السودانيين والمعارضين .
شهد نفس المكتب صبيحة احد الأيام مراسم تقبل العزاء في والد الراحل المقيم الدكتور عمر نور الدائم الذي تصادف وجوده في القاهرة وتدفقت جموع كبيرة علي المكتب ومن ضمن الحضور كان بعض طاقم السفارة السودانية في القاهرة ومن ضمنه شخصية أمنية انفعالية وغير إخوانية من الذين تربطهم علاقة مصاهرة بأحد قيادات الإسلاميين.
واضاف كعادة الحديث في منازل العزاء السودانية تطرق الحضور لأوضاع السياسة والوضع الداخلي المتردي في أولي سنين الإنقاذ و التمكين وأراد رجل الأمن المشار إليه المشاركة في الحديث الدائر وكان يجلس الي جوار الدكتور عمر نور الدائم وقال :
« هذه الأيام انتشرت أنواع من الملاريا غريبة جدا في الخرطوم « ولم يكمل الرجل حديثه فاستدار له الدكتور عمر بعفويته المعروفة قائلا ..
«ياخوانا ما تصدقوا هؤلاء الناس المجرمين هم احيانا يطلقون اشاعات مثل هذا الحديث واستطرد في وصف مخازي نظام الخرطوم وكيف انهارت الخدمات ومؤسسات الدولة .. واستأذن أعضاء السفارة المعنيين في الذهاب ووقفوا ورددوا الفاتحة قبل ان يتجهوا نحو المصعد بجوار المكتب «..
وفي هذه الأثناء قال احد شباب حزب الامة للدكتور عمر انت الناس الكنت بتتكلم معاهم ديل بتعرفهم فأجاب بالنفي ، فقال له انهم فلان وفلان بتاعين الأمن والمكتب العسكري في السفارة.. فقال له الدكتور عمر رحمه الله وبنفس العفوية اجري ياخي حصلهم وقول لهم والله إنني لم اكن اعرفهم ولو كنت اعرفهم لما تحدثت أصلاً في هذه المواضيع .. ويبدو ان هناك من شباب حزب الأمة من تكفل بتوصيل نفس الرسالة إلي الأشخاص المعنيين ضمن اعتذار ضمني عن موضوع النقاش الذي دار وذلك اثناء توصيل هؤلاء المعزين الي المصعد.
من الواضح ان تصرفات شباب الحزب الشيوعي تمثل خروجا عن التقاليد السياسية والقيم السودانية ، فقد كشفت هذه الحادثة ان عزلة الحزب ليست سياسية فحسب وانما ابتعد عن احساس الناس وقيمهم وتقمص منطق ومنهج لا يشبه اهل السودان.