الاسفاف في الصحافة

422٭ مما يسؤونا أن تتحول صحافتنا الى ملاقطات ومنابذات بين الصحفيين أنفسهم، ليسهموا فى انحطاط الثقافة الصحفية ، ويؤثروا سلباً على المتلقى افساداً لرأيه وتشويشاً على رصيده الفكري ، ليصبح عرضة للاتلاف.
٭ فالصحافة التى فتحت لها الأبواب، ونص الدستور والقانون على حريتها، ليست هى الصحافة التى ينبري الكتاب وأصحاب الأقلام، استغلالاً لما منح من حرية فى ساحتها، لسب هذا وشتم ذاك، لتسود ثقافة الايذاء، ونحن أمة مطالبة باماطة الأذى عن الطريق، دعك من الأذى الذى ينعكس من الكلمات الموثقة التى تجرح القلوب، وتفتك بأخلاق المؤمنين.
٭ وما يجعل المرء يشيح بوجهه، عندما يتصفح صحافة هذه الأيام، فيجد أن من بين العاملين فى مؤسساتها من تخصص فى كشف العورات، والتلصص على البيوت والأسر الكريمة التى كانت فى مأمن من القيل والقال، لتسهم مثل هذه الصحافة فى الاطلاع على أسرار الأشخاص، ومقدسات الأسر التى لا يحق لكائن من كان أن يتجاوز الحدود وتحدثه نفسه لنشرها والتبشـيع بمن كانوا على درجة من الحرص، لحفظها وقضاء حوائجهم استعانة منهم بعنصر الكتمان.
٭ وأبشع الذى يطلع عليه القراء فى الصحافة ما يتصل بأحاديث قيلت فى مجالس خاصة، ومناسبات لا علاقة لها بعملية النشر فى مطبوعة المعنى بها هو الجمهور، وليست الشريحة التى كانت تتبادل الرأي فى موضوع ينحصر فيها ، ولا يقبل أن يعمم هكذا ليصبح موضوعاً عاماً لأنه غير قابل للاذاعة والشيوع.
٭ والأقلام الصحفية الحرة، تنأى بصاحبها عن الاسفاف، وتتجنب الاساءات، وتتجه مباشرة الى أمهات القضايا، وجوهر المشكلات، اذ لا يعنى القراء أن فلاناً أو علاناً قد انحدر من أسرة تتصف بكذا أو كذا، كما لا يعنيهم من أي جهة او قبيلة أتى هذا الوزير أو ذاك المسؤول، لأن مثل تلك الكتابات، هى كتابات تنزع نحو عَنْصرة الكلمة وجهوية المطالب، وقبلية المناصب، وزرع بذرة الحقد والفتنة بين أعضاء المجتمع، وما هكذا تحمى الديار، ولا بهذا الأسلوب تحصن المجتمعات، وتبنى الدول المتطلعة نحو المجد ، والمتجهة بأهدافها من أجل تكريم بني الانسان.
٭ والاسفاف فى صحافتنا، أصبح يتخذ أشكالاً عديدة، منها ذلك الذى يركز حول الفتنة، ومنها الذى يدور حول السيرة الشخصية للأفراد ، والقبائل ، والجماعات، كأنما نحن قد قررنا أن نسير فى طريق العنصرية ، والاثنية اللذين فتكا بشعوب فذهبت ريح تلك الشعوب، عندما فسدت الأخلاق بسبب ما راج من كلمات، وتعمق من اساءات.
٭ ولا نرضى اطلاقاً أن نرتد لتتحول الصحافة من آلية لبناء الرأي العام، الى معول للهدم، يبدأ بالفرد ثم يقضي أخيراً على كرامة وعزة المجتمعات.
٭ فالمقال الذى ينضح بنابي القول، وسقط الحديث، وسُمِّ القلم، علينا أن نحاسب صاحبه بالاستهجان ، والاستنكار قبل مواجهته بالقانون، وايقافه بين يدي الله في ردهات المحاكم والقضاء.
٭ والذي حشد عقله برخيص الثقافة، وسوء التربية ، وظن أنه صحفي همام، علينا أن نعيده الى الجادة بتقديم النصيحة له ليلتحق مرة أخرى بمؤسسة تربوية صوناً للمجتمع ، حتى لا يتأذى من رخيص ثقافةٍ ستتحول الى مقالات، ومواد صحفية تؤثر على جميع الثقافات والاتجاهات.
٭ وعلى الدولة أن تحرص على ايجاد المقاييس والمعايير لمن ترخص له بالكتابة في الصحافة ، تجنباً لافساد الحياة بالرأي ، وهو من أخطر أنواع الفساد.