المحاسبة والانضباط ودقة الاختيار

* تعتبر تلك الأركان الثلاثة التي قصدت عنونة هذا الموضوع بها هى التي تحدد مدى قدرة الإداري الناجح ، والتنفيذي الفذ ، والقائد الملهم ، أن ينجز ما أسندت إليه من أعمال ، وما أوكلت إليه من نشاطات .
* والمحاسبة لا تأتي من الأدني للأعلى ، ولكن الذي يضطلع بمعلوماتها ويؤدي ما تتطلبه من إلتزامات ، هو الذي يقود الجماعة ، فإذا رأوا منه إنضباطاً ، ودقة ذلك لكان كفيلاً بمحاسبتهم لأنفسهم قبل أن يحاسبهم أحد ، ولأصبح الإنضباط سمة مائزة لهم ، وهم يؤدون أعمالهم ، وبالتالي عندما يحين أوان المحاسبة على الأداء ، وكتابة تقاريرها ، هنا يتضح الفرق بين الذي وضع معايير الإنضباط والدقة في حسابه ، وذلك الذي كان عشوائياً ، ومتفلتاً حيث لا يتناسب الناتج ويضطرد في حصيلته ، إلا إذا كانت المحاسبة ، والدقة ، والإنضباط من المعايير التي كانت شرطاً في التوظيف ، وفي إسناد الوظائف ، والقيام بالمهام .
* أما إذا كان قائد السفينة عشوائياً في إدارة دفتها ، ومتفلتاً في تفكيره ، وتقديره ، فإن ذلك سينعكس على مسار هذه السفينة ، ويهددها إما بالغرق ، أو بالإنحراف يمنة ، أو يسرة ، إثر أمواج متلاطمة ، كان بالإمكان تلافيها فيما لو كان القائد ملتزماً بالموجهات التي تضمن للسفينة السلامة ، وهى تمخر العباب .
* والمثل الجاري ، الذي نص على أن رب البيت إن كان بالدف ضاربا ، فإن ذلك يؤدي لا محالة إلى أن تكون شيمة أهل البيت كلهم الرقص ، فهو يعبر عن مدى قدرة القائد على التأثير في رعيته ، وتوجيههم التوجيه الذي يريد ، فإن كان جاداً ، ومنضبطاً ، ودقيقاً في أحكامة فإن تلك الصفات ستنداح على رعيته ، وتصبح هذه الرعية نسخاً مكررة من قائد يعرف كيف يصل إلى غاياته ، وما هى وسائله لذلك ، وكيف يكون منهجه ، وطريقته لبلوغ تلك الغايات .
* والمجتمعات التي تنشد التطور ، كما الدول التي ترتقي بشعبها هى مجتمعات تقوم على معايير الدقة ، والإنضباط ، ومراعاة القيم ، ذلك لأن الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا .
* والحكومات التي تكون بمنأى من فساد السياسة ، وعلل الإقتصاد ، وعلى قدرة لتطبيق ما يسمى أسس الحكم الرشيد ، هى تلك الحكومات التي لا يصدر فيها قرار إلا وقتلت آثاره بحثاً ، ولا تتخذ سياسة إلا وصاحبها الإلتزام ، والإنضباط ، ولا يؤدي نشاط ، أو تترك وزارة ، أو إدارة دون أن تجري المحاسبة مجراها ، وتوضع لذلك القواعد ، لتتضح المؤشرات ، ومن ثم العلامات الخضراء المبينة لنقاط النجاح ، وتلك الحمراء التي توضح مكامن الخطر ، ومحاذير السير ، وعلامات الفشل .
* والإنضباط ، والمحاسبة ، والدقة كلها عوامل ، وعناصر ضامنة لتحال الخطط إلى نتائج ، والسياسات إلى طريق ممهد خالٍ من العقبات ، والعقابيل التي تقف حائلاً دون أن تكون هناك منجزات .
* وقد يظن البعض بأن الإنضباط ، والدقة ، والمحاسبة ، هى من قبيل القيود المانعة للإنجاز ، وهؤلاء لا يعلمون مدى الخسارة التي تحيق بالمتفلتين ، والعشوائيين ، والمفسدين في الأرض ، ليس في الدنيا فحسب ، وإنما بالأخرة كذلك ، وذلكم هو الخسران المبين .