الإصلاح أبعاده ومراميه

من أسوأ التقارير التى تنبنى عليها القرارات المصيرية ، تلك التى تؤكد بنسبة 100% بأن الأمور تمام التمام ، فى الوقت الذى فيه بأن هذه العبارة ، غالباً ما تقود نحو قرارات بعيدة عن الواقع ، ومجافية للمنطق فتحدث مالا تحمد عقباه ، ويعجز العطار عندئذ عن إصلاح ما أفسده الدهر .
والذين ينادون بملء أشداقهم لإتخاذ الخطوات اللازمة لإصلاح الحال والأحوال ، ينبغى أن يضعوا فى إعتبارهم بأن كلمة إصلاح ، كلمة محببة للنفس ، وباعثة على الأمل ، ومن الحذر ألا نستخدمها إستخداماً سيئاً ، ذلك لان الإصلاح حالة لا تنحصر فى قضية واحدة ، وليست ذات طبيعة موسمية ، وإنما هى إحساس دائم بضرورة إصلاح الأعطاب ، حتى لا تتطور آثارها ، فتنشل القدرة على إحياء الذى مات ، بتجاهل ما ظهر من أعراضٍ كان بالإمكان البحث فى أسبابها قبل أن يتحول الأمر إلى علة مستعصية ، أو سقم ليس له علاج
وإصلاح الدولة ، يقتضى فى المقام الأول ، تشخيص القصور الذى يعانى منه نظام الحكم ، إذ لا فائدة فى وعود ، أو تطمين للنفس بأن هذا النظام على ما يرام ، بالرغم من وجود فتوقات وتصدعات فى جوانبه ، ومختلف مناحيه .
والإصلاح عند الحديث عن الدولة ، وما شاب أداء المسؤولين فى قمة مؤسساتها من أخطاء ، يتطلب بادئ ذى بدء ، الإعتراف بما ظهر من أخطاءٍ ، أو تقديرات أدت إلى تصاعد النداءات بضرورة الإصلاح .
فنظام الحكم المستقر ، لا يعتمد على ترضية الأشخاص على حساب المجموعات ، ولا يقر للدولة قرار بوجود سوءات عمد بعضنا إلى تغطيتها ، وهى عورة غير قابلة للتغطية لا من حيث الحجم ، أو ما ينبعث منها من ريح ، ليس بالإمكان التغافل عنه ، أو الإصرار على أنه ريح طيب ، وهو فى الحقيقة أخبث من خبيث .
أما إصلاح المجتمع ، فهو أعقد بكثير من إصلاح الدولة ، ذلك لأن الأفراد والجماعات لا ينصلح حالهم ، وترتقى إهتماماتهم ، وتشف تصوراتهم ، إلا بجهدٍ عظيم يستهدف إبدال ثقافة بأخرى ، وإحلال عادات بسلوك له القدرة على أن يقيم ما كان معوجاً ، ويزيل الذى طاله التشوه ، بحجة أنه تقليد من التقاليد ، أو عرف من الأعراف .
ولا تنصلح أمة ، وهى تعانى من تخلف فى التفكير ، ومعاناة لا تستثنى جانباً من جوانب كسب العيش ، مما يتناقض مع كرامة وحقوق الإنسان .
والدور الذى يبقى جوهرياً ، لإصلاح المجتمع ، لابدّ أن ينهض من أجله والقيام بما يقتضيه من وجدوا أنفسهم يحتلون المراكز الإجتماعية المؤثرة ، والمنصات الدينية ذات القبول ، والشخصيات التى حباها الله بحسن التقدير ، ورجاحة التفكير ، وغير هؤلاء من الذين أفاض الله عليهم بنعمة المال ، ونعم المال الصالح فى يد الرجل الصالح ، ذلك لأنه يوجهه نحو فعل الخيرات ، وبناء المؤسسات التى تقى المجتمع من الفقر والمسغبة ، وهما أفتك عناصر ، إذا أنشبتا أظفارهما فى مجتمع لأصبح نهباً مقسماً لفساد فيما لو طمّ وعم لأصاب مجتمعاً بأكمله ، وهى أصابه أشد وطءاً من فساد دولة يمكن إصلاح حالها بعددٍ محدود من الرجال ، أو النساء .
والإصلاح الذى مهرته قيادات المؤتمر الوطنى ، وتبنته قيادة الدولة ، ينبغى أن يكون منهجاً تطبيقياً ، بحيث لا تعتمد خطة إلا وكان الخبراء هم الذين وضعوها ، والإبتعاد عن أولئك الذين لا يفقهون ، إذ أن عدم الفقه بأساسيات الأمور ، والتطاول على وظيفة ، أو مهمة ، بغير علمٍ بأبجدياتها وأصولها هو الذى يقود نحو حدوث الكوارث ، وإهدار الأموال ، والنتائج الصفرية التى تكون فى نهاية المطاف سبباً لإستهزاء المستهزئين ، الذين لا تبتسم ثغورهم إذا شهدوا نجاحاً ، لكنهم يهزون أكتافهم طرباً ، فور حدوث السقوط .
والإصلاح ، حسب قيمته العالية ، وتكلفته الباهظة ، لا يسند لجاهلٍ ، أو مدعٍ ، حيث لا يقدم أحدنا على إصلاح سيارة فارهة ، ومزودة بالتكنلوجيا لدى ميكانيكى يمارس هذه المهنة بطريقة عشوائية ، أو ما يسمى بالجربنديات .
والإصلاح ، فى حقيقته ينبغى أن يكون من قبيل المناهج الإستراتيجية التى تبحث فى الحاضر وتخطط للمستقبل ، بموضوعية وعلمية ، ولا تكون أهدافه كأضغاث الأحلام ، خاصة بأن لا أحد يزعم أنه عليم بتفسير الأحلام وتحويل السراب البقيعة إلى حقيقة ، إلا إذا كان بيننا من يؤمن بما يفعله المشعوذون والدجالون .