القوات الأممية بدأت خطة الانتشار في جوبا.«سلفاكير» بين سندان اتفاق السلام و مطرقة الوصاية الدولية

تقرير : متوكل أبوسن

حالة من الحذر والترقب سيطرت علي الاوضاع بمدينة «جوبا» عاصمة دولة جنوب السودان بعيد نشر الامم المتحدة لقواتها في مطارها بشكل مفاجئ واجزاء متفرقة من احيائها ،قابلها رئيس حكومة جنوب السودان سلفاكير ميارديت باعلان الاستنفار والتهديد بإعادة النظر في قرار حكومته الخاص بالموافقة علي نشر قوات الحماية الاقليمية التي يفوضها مجلس الأمن الدولي بانحاء الدولة الوليدة لحفظ الامن وحماية المواطنين من نيران الحرب الاهلية التي اشتعلت منتصف العام 2013 بينه ونائبه د.رياك مشار المتواجد حاليا في الاقامة الجبرية بجنوب افريقيا.

مصادر من جوبا تحدثت لـ «الصحافة» امس «الاربعاء» كشفت عن انتشار قوات الامم المتحدة في محيط مطار جوبا وسيطرتها علي كوبري جوبا دون ان تعترضها القوات الحكومية المنتشرة داخل المدينة بالياتها العسكرية ،وتوقعت ان تواصل القوات الاممية بسط سيطرتها علي طول وعرض المدينة ومن ثم بقية مدن جنوب السودان وولاياته وجعلها منزوعة السلاح في اطار ما اسماها بخطة احياء اتفاق السلام اغسطس 2015 الموقع بين سلفاكير ومشار برعاية منظمة «الايقاد».
وبحسب مصادر «الصحافة» فان اجتماع للجنة متابعة تنفيذ اتفاق السلام التئم قبل نحو اربعة ايام بالمدينة الاثيبوية «دبرزيت» في محاولة لاحياء الاتفاق حدد سبتمبر المقبل موعدا للقاء الاطراف المتصارعة بالعاصمة الاثيوبية ،وكشف عن مساعي حثيثة للسماح لزعيم المعارضة بجنوب السودان د. رياك مشار مغادرة اقامته الجبرية بجنوب افريقيا .
تحركات القوات الاممية غير المسبوقة بجنوب السودان يبدو انها مؤشرا لبداية مرحلة جديدة في التعاطي مع ازمة جنوب السودان من قبل المنظمة الدولية لا تنفك تتارجح بين فرض وصاية دولية علي الدولة الوليدة او قبول حكومتها الحالية تنفاذ اتفاق السلام الموقع بينها ومعارضيها اغسطس 2015 بالعاصمة الاثيوبية «أديس أبابا».
واقع الحال وانعدام الخيارات
ولعل واقع الحال في الدولة الوليدة والذي دفع رئيس بعثتها «يوناميس» بجنوب السودان ديفيد شيرر الي القول : إنها اصعب مكان للعاملين في المجال الانساني بالعالم ،لن يترك مجالا لتعدد الخيارات في ظل استمرار الحرب ومعاناة المواطنين هناك.
وربما استقي «شيرر» عبارته التي اطلقها في كلمة بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للعمل الإنساني في جوبا الجمعة الماضية من حالة العنف التي اجتاحت الدولة الوليدة وانتهاكات حقوق الانسان التي لاتفرق بين العسكري والمدني ولا بين الرجل والمرأة ولا المواطن والاجنبي حيث قتل ـ بحسب تقارير اممية حوالي 15 عاملا في مجال الإغاثة الإنسانية هذا العام ليصل عدد العاملين في المجال الانساني الذين لقوا حتفهم خلال النزاع المستمر منذ اربعة اعوام الي 85 شخصا.
فيما أكد سيرج تيسو، نائب رئيس مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة أن انعدام الأمن يؤثر بشكل مباشر علي الجهود الإنسانية للوصول إلي 7.5 ملايين شخص من المتضررين من الحرب الذين هم في أمس الحاجة إلي الدعم الإنساني.
وقالت رئيسة المنظمات غير الحكومية الدولية ديبالا ماهلا إنه خلال هذا العام فقط وقع حوالي 32 هجوما من أجل النهب و 25 حادثة عنف ضد العاملين في مجال الإغاثة.
وبحسب تقارير اممية فان الصراع الذي استمر أربع سنوات ادي إلي تقسيم جنوب السودان علي أسس عرقية، واجبر أكثر من مليوني شخص علي الفرار إلي المناطق المجاورة وشرد ربع السكان البالغ عددهم 12 مليون نسمة.
وكانت بعثة الامم المتحدة بدولة جنوب السودان قد اعلنت في مطلع الشهر الجاري عن وصول الدفعة الثانية من قوات الحماية الاقليمية التي اجازها مجلس الامن العام الماضي للعاصمة جوبا ، حيث تضم 123 جنديا قادما من دولة رواندا ، مبينة بان بقية الوحدات الاخري ستصل خلال الاشهر القليلة المقبلة حتي يكتمل العدد الكلي البالغ 4000 جنديا ـ بحسب قرار مجلس الامن الدولي أغسطس من العام 2016، حيث وافق المجلس بناء علي طلب من منظمة «إيقاد»، علي نشر قوة حماية إقليمية قوامها 4000 شخص لتأمين جوبا في أعقاب الاشتباكات المتجددة التي وقعت بالعاصمة خلال يوليو.
وبدا مستغربا ان تعلن حكومة جنوب السودان موافقة غير مشروطة في خطاب إلي مجلس الأمن في 30 نوفمبر 2016 ، علي نشر القوات وهو ما يتناقض مع موقف سابق لها كان معارضا للخطوة ويري فيها مساسا بسيادة دولة جنوب السودان .
ولكن الرجل وان اطلق تحذيراته بنفض يده عن موافقة سابقة ، وافق علي دخول قوات تقول الأمم المتحدة إنها ستوفر الحماية للمرافق الرئيسية في جوبا والطرق الرئيسية إلي المدينة والخروج منها كما انها ستعزز من مواقع الامم المتحدة الخاصة بحماية المدنيين والمباني الأخري التابعة لها.
عودة الحياة لاتفاق السلام
مسؤول جنوب سوداني اكد ان سيطرة القوات الاممية علي مطار «جوبا » بقصد استعراض القوة لاجبار حكومة سلفاكير علي الموافقة علي انفاذ بنود اتفاق السلام في اغسطس 2015 بينه ونائبه السابق د. رياك مشار ، محملا الاول مسئولية اجهاض الاتفاق الذي اشار الي انه يمكن ان يكون فرصة لوقف الحرب وتحقيق الاستقرار.
ولم يستبعد المسؤول الجنوب سوداني الذي فضل حجب اسمه في حديثه لـ «الصحافة» امس فرض الوصاية الدولية علي الدولة الوليدة وتحويل تفويض القوات الاممية الي البند السابع حال استمرار تعنت حكومة جنوب السودان.
المصدر رسم صورة قاتمة لاحوال المواطنين الجنوب سودانيين في مدن الدولة الوليدة مشيرا الي انعدام الامن وانهيار الاوضاع الاقتصادية ،مشيرا الي تأخر مرتبات العاملين في الحكومة لشهور بمن فيهم منسوبو الجيش والشرطة ، وقال : الان في جوبا لو ما عندك مئتي جنيه لا تستطيع ان تأكل عصيدة في جوبا ، واضاف: كل من يقتل تقيد الجريمة ضد مجهول .
ولم يستبعد المصدر الذي فضل حجب اسمه ان يرضخ الرئيس سلفاكير لقرارات الامم المتحدة وخطواتها نحو وقف الحرب بما فيها نشر القوات الاممية تحت البند السابع، وقال : سلفاكير الان محاصر من كل الاتجاهات وفشل في المحافظة علي تأييد الجنوبيين له والان لا خيار امامه سوي الاذعان وتنفيذ اتفاق 2015 ،او فرض الوصاية الدولية التي باتت خيارا مرحبا به عند كثير من الجنوبيين بوصفها المخرج من الازمة الطاحنة التي يمر بها شعب جنوب السودان.
الامم المتحدة وفرض واقع جديد
في ذات المنحي سار رئيس الجبهة الديمقارطية بجنوب السودان البروفسير ديفيد ديشان وهو يؤكد محدودية الخيارات امام رئيس حكومة جنوب السودان ، مشيرا الي ان سيطرة الامم المتحدة علي مطار جوبا محاولة لفرض سياسة جديدة علي حكومة سلفاكير الذي قال ان الامم المتحدة لا تعترف به رئيسا ،مؤكدا رغبة شعب جنوب السودان في التغيير علي نحو يحقق السلام والاستقرار ،وقال : هناك من يقف مع اتفاق السلام وهناك من يقف مع الوصاية الدولية ،واضاف: البعض لم يعد يفكر الا في كيفية وقف الحرب وتحقيق السلام .
ديشان اشار الي تراجع سطوة سلفاكير علي جنوب السودان لصالح المعارضة الجنوب سودانية وقال في حديثه لـ «الصحافة» : سلفا فقد اكثر من 6 الاف ونصف مقاتل في معارك مع قوات المعارضة الجنوبية في مناطق «فاقاك» و«مايود» وان المئات من قواته سلمت اسلحتها للحكومة الاثيوبية توطئة لتسليمهم للامم المتحدة .
وكشف ديشان عن وجود اشتباكات في ولاية بحر الغزال وتوقع ان تسقط ولاية اعالي النيل الكبري في ايدي قوات المعارضة الجنوب سودانية ،وقال : معظم القوات انضمت للمعارضة ومن يقاتلون الان مع سلفاكير من دول شرق افريقيا وقوات الحركات المتمردة علي حكومة الخرطوم ،واضاف: معه قوات من اوغندا وكينيا وزمبابوي و بورندي وصوماليين.
ونبه ديشان الى انه ليس امام سلفاكير الا تغيير سياساته والقبول بتنفيذ اتفاق السلام 2015 ،مشيرا الي ان علاقات الرجل مع الادارة الامريكية لم تعد كالسابق ،وقال: كانت للرجل علاقات ايجابية مع الرئيس الامريكي السابق باراك اوباما لكنه الان فقد ذلك بعد ان تبين للحكومة الامريكية انه من يعيق عملية السلام وليس غريمه رياك مشار المتواجد حاليا بجنوب افريقيا،مشيرا الي ان الادارة الامريكية كانت تحمل «مشار » وزر اشعال الحرب لكنها الان تأكدت ان سلفاكير من اشعلها.